Stay Signed In
Do you want to access your site more quickly on this computer? Check this box, and your username and password will be remembered for two weeks. Click logout to turn this off.
Stay Safe
Do not check this box if you are using a public computer. You don't want anyone seeing your personal info or messing with your site.
الديانة اليهودية و علاقتها بالماسونية و الصهيونية العالمية
و لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود
اليهودية Judaism
تعريفها: هي الملة التي يدين بها اليهود وهم أمة موسى عليه السلام .
أصلها : كانت في أصلها - قبل أن يحرفها اليهود – هي الديانة المنزلة من الله تعالى على موسى عليه السلام ، وكتابها : التوراة . وهي الآن ديانة باطلة لأن اليهود حرفوها ولأنها نسخت بالإسلام .
- سبب تسميتها :
- سميت اليهودية بذلك نسبة إلى اليهود ، وهم أتباعها ، وسموا يهوداً : نسبة إلى (يهوذا) ابن يعقوب الذي ينتمي إليه بنو إسرائيل الذين بعث فيهم موسى عليه السلام ، فقلبت العرب الذال دالا.؟
- وقيل : نسبة إلى الهود ، بشدّ الدال ، وهو التوبة والرجوع ، وذلك نسبة إلى قول موسى لربه : ((إنا هدنا إليك)) أي تبنا ورجعنا إليك ياربنا ، وذلك أن بني إسرائيل حين غاب عنهم موسى عليه السلام وذهب لميقات ربه ، صنعوا عجلا من ذهب وعبدوه ، فلما رجع موسى وجدهم قد ارتدوا فغضب عليهم وأنبهم فرجع أكثرهم وتابوا ، فقال موسى هذه الكلمة . فسموا هوداً ثم حولت إلى (يهــود) والله أعلم .
- عقيدة اليهود :
- كانت عقيدة اليهود قبل أن يحرفوها ، عقيدة التوحيد والأيمان الصحيح المنزلة من الله تعالى على موسى عليه السلام ، لكنهم حرفوها وبدلوها وابتدعوا فيها ما لم ينزله الله .
- بداية الانحراف:
- بدأ انحراف بني إسرائيل (اليهود) في عهد موسى عليه السلام ، وهو حي بين أظهرهم ، حيث طلبوا منه أن يريهم الله تعالى ، فقالوا له ((أرنا الله جهرة)) .
- ثم لما مات موسى عليه السلام ، أخذوا يحرفون دين الله ويبدلون في التوراة فقالوا ((عزيزٌ أبن الله )) 30 التوبة، وقالوا ((نحن أبناء الله وأحباؤه )) 18 المائدة .
- إضافة ألي تبديلهم في أحكام الشريعة المنزلة على موسى عليه السلام ،وحرفوا نصوص التوراة ، وقدسوا آراء أحبارهم المتمثلة بما يسمى عندهم ( بالتلمود ) وهو شروح واجتهادات علمائهم الذين أحلوا لهم لحم الحرام وحرموا عليهم الحلال بأهوائهم .
- لذلك قال الله تعالى شانة فيهم ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله )) التوبة
- وقد فسر حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا في حديث بأن معنى اتخاذهم أرباباً أي طاعتهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله .
- نسبهم الابن إلى الله تعالى :
- قال الله تعالى عنهم :(( وقالت اليهود عزيزاً أبن الله )) فزعموا أن عزيزاً وهو أحد أنبيائهم ابن الله تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا ً.
- ومن ادعاتهم الضالة :
- انهم أبناء الله وأحباؤه .
- أن الله فقير وهم أغنياء .
- أن يد الله مغلولة .
- وكذلك قولهم لموسى ((لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ))
- وزعمهم أن الله تعالى تعب من خلق السموات والأرض .
- إنكار اليهود وجحودهم لنبوة خاتم الأنباء محمد صلى الله عليه وسلم رغم أنهم يعرفون أنه رسول الله حقاً ، ولديهم الأدلة على ذلك كما ذكر الله ذلك عنهم .حيث ذكر أنهم يعرفونه ويعرفون نبوته كما يعرفون أبناءهم . قال تعالى (( الذين أتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ))146 البقرة.
- صفاتهم وأخلاقهم :
من خلال ما سبق ذكره نجد أنهم شعب فاسد خبيث ماكر ، وهذا حكم الله فيهم ،
1- كتمان الحق والعلم
2- الخيانة والغدر والمخادعة
3- الحــسد
4- الإفساد وإثارة الفتن والحروب
5- تحريف كلام الله تعالى وشرعه والكذب على الله .
6- البذاءة وسوء الأدب .
وغيرها الكثير من الصفات الدنيئة.
و اليهودية معتقد يختلف عن معظم المعتقدات والأديان ، هي دين مغلق ، فلا يحق لأي إنسان أن يعتنق اليهودية . يمعنى أوضح : إن اليهود لا يقبلون في صفوفهم إنسانا جديدا يعتنق دينهم ، خلافاً لجميع المبادئ والاديان التي تعمل لزيادة المؤمنين بها . ولكي يكون الانسان يهودياً يجب أن يكون من أم يهودية . و مازالت محاكم اسرائيل ترفض الاعتراف بيهودية مواطنيها من أب يهودي وأم غير يهودية .
وقد ارتبطت كلمة (( يهودي )) في أذهان الناس ، بتصور خاص وصفات معينة خلال عصور التاريخ ، واستطاع معتنقوا اليهودية أن يحافظوا على دينهم وعرقهم ، فلم يندمجوا في المجتمعات التي عاشوا معها في كل البلدان ، وانعزلوا في ( حارات ) او (غيتو) ، لا تهم التسمية ، المهم أنهم انعزلوا عن الشعوب التي عاشوا معها ، في أماكن خاصة ، وحافظوا على لغتهم وديانتهم وتقاليدهم وسلوكهم المبني على مبدأ واحد هو استغلال الشعوب الأخرى بأية وسيلة . فهم وحدهم ((شعب الله المختار )) وجميع الشعوب إنما خلقت لتخدم ذلك الشعب ( لعنه الله ) .
ويعود الفضل في ذلك إلى دينهم ومعتقداتهم . وقد يستغرب المرء كيف يتهرب غير اليهود من التمسك بمبادئ ديانتهم أكثر من اليهود الذين يتشددون بالتمسك بها . وتحليل ذلك بسيط :
فالديانات كلها مبنية على مثل عليا ، وتفرض على معتنقيها واجبات كما تتشدد في منع استغلال الآخرين أو احتقارهم . والانسان أناني بطبعه ، على الغالب يجب استغلال غير . وهذا ما أدركه الذين وضعوا أسس الديانة اليهودية الأقدمون ، إذ يجمع معظم علماء الديانات تقريبا بمن فيهم اليهود على أن اليهودية بوضعها الحالي هي غير الدين اليهودي الذي جاء به النبي موسى عليه السلام .
ومما لا خلاف فيه أن التلمود وهو الكتاب الذي يشرح العقيدة اليهودية , هو كتاب سري وضعه ( حاخامات اليهود ) خلال فترة امتدت ما بين 400-600 سنة .
أما التوراة فيرى بعض البحاثة أنها من وضع العلماء الدينيين والدنيويين الأقدمين أيضا .
غاية الكتب المقدسة اليهودية
قبل كل شيء لنأخذ المعطيات التالية ، والتي تفرضها علينا الوقائع ومعلوماتنا عن التوراة و التاريخ اليهودي :
1- إن تاريخ اليهود القديم والمذكور في ( الهكزاتوك ) أي الاسفار الستة الأولى من التوراة ، لا يمكن التحقق من صحته من أي مصدر آخر سوى التوراة.
2- وان علماء اليهود يعلنون صراحة ان تاريخهم القديم اسطوري وقد أُعيد وضعه من وجهة نظر فريسية.
3- وأن اليهودية الارثوذكسية المستندة الى شريعتهم نشأت في بابل حوالي 400 سنه قبل الميلاد فقط .(نقلاً عن الدكتور /آرثر روين).
4- وأن علماء الكتاب المقدس كلهم مجمعون على أن العهد القديم جرى وضعه خلال و بعد النفي إلى بابل.
5- وإن غاية الشريعة اليهودية هي أن تربط ببعضها فئة قتالية غير قابلة للامتزاج مع الغير و لا تقبل المصالحة أو المخادنة معهم ، ولا تعرف الرحمة أو الشفقة ومنظمة تنظيماً شبه عسكري.
6- وإن الصور الخيالية في ( الهكزاتوك ) تصف فئة من المتآمرين المثاليين.
7- وأن إله اليهود القبلي يأمرهم بخدمة الشريعة تحت طائلة المحي من الوجود.
8- وإن أسفار العهد القديم التالية للهكزاتوك انما هي وصف لعقوبات والمكافآت التي سيستحقها اليهود حسبما يكونوا قد عصوا أو أطاعوا الشريعة.
9- وإن رسالة الأنبياء لليهود هي فقط اتباع الشريعة لكي يأتيهم ( الوعد ) أي أن يتملكوا الأرض ومــن عليها – و إلا عوقبوا بالمحو من الوجود.
وبناء على ذلك كله لا مناص أمامنا من الجزم بأن تاريخ اليهود مختلف على نطاق واسع ، وقد اختلقه المتآمرون البابليون وهدفهم خلق تقاليد قومية لها غاية قائمة بذاتها لدى المنفيين و ذريتهم ، تفرض عليهم تنظيما باطشا تحت امرة الشريعة ، ومن ثم اضفاء ثوب الدين عليهم ، لإخفاء وتبرير غاياتهم الاجرامية ضد العالم.
وقد استعار واضعو المؤامرة الافكار من مضيفيهم البابليين ، ثم اضافوا اليها تقاليدهم القبلية الخاصة بعد تنميقها وتزيينها ، ثم أطلقوا لمخيلاتهم الخصبة العنان؟
الصهيونية Zionism
تعريفها : هي منظمة يهودية تنفيذية ، مهمتها تنفيذ المخططات المرسومة لإعادة مجد بني إسرائيل -اليهود- وبناء هيكل سليمان ، ثم إقامة مملكة إسرائيل ثم السيطرة من خلالها على العالم تحت ملك (ملك يهوذا) المنتظر . سميت بذلك : نسبة إلى (صهيون) جبل يقع جنوب بيت المقدس يقدسه اليهود .
الماسونية والصهيونية :
الصهيونية قرينة للماسونية إلا أن الصهيونية يهودية بحتة في شكلها وأسلوبها ومضمونها وأشخاصها ، في حين أن الماسونية يهودية مبطنة تظهر شعارات إنسانية عامة ،وقد ينطوى تحت لوائها غير اليهود من المخدوعين والنفعيين .
كما أن الصهيونية حركة دينية سياسية معلنة تخدم اليهود بطريق مباشر فهي الجهاز التنفيذي الشرعي والرسمي لليهودية العالمية .
في حين أن الماسونية حركة علمانية إلحادية سرية تخدم اليهود بطريق غير مباشر ، فهي القوة الخفية التي تهيء الظروف والأوضاع لليهود .
تاريخها ونشأتها :
الصهيونية كالماسونية ليست وليدة هذا العصر فقد مرت بمراحل كثيرة منذ القرون الأولى قبل ظهور المسيحية وبعدها وقبل ظهور الاسلام وبعده ، وكانت مراحلها الأولى مهمتها تحريض اليهود على الانتفاض والعودة إلى أرض فلسطين وبناء هيكل سليمان ، وتأسيس مملكة إسرائيل الكبرى ، وحــوك المؤامرات والمكائد ضد الأمم والشعوب الأخرى .
اما الصهيونية الحديثة : فقد بدأت نواتها الأولى عام 1806م حين اجتمع المجلس الاعلى لليهود بدعوة من / نابليون -لاستغلال أطماع اليهود وتحريضهم على مساعدته - ثم حركة ( هرتزل ) اليهودي التي تمخضت عن المؤتمر اليهودي العالمي في (بال) بسويسرا عام 1897م والذي قرر فيه إقطاب اليهود مايسمى بـ(بروتوكلات حكماء صهيون) وهو المخطط اليهودي الجديد للاستيلاء على العالم ومن هذا المؤتمر انبثقت المنظمة الصهيونية الحديثة .
أهداف الصهيونية :
- ذكرنا أن الصهيونية حركة يهودية خالصة . اما أهدافها فهي ذات جانبين : ديني وسياسي :
----أما الجانب الديني فيتلخص فيما يلي :
إثارة الحماس الديني بين أفراد اليهود في جميع أنحاء العالم ، لعودتهم إلى أرض الميعاد المزعومة ( أرض فلسطين ) .
حث سائر اليهود على التمسك بالتعاليم الدينية والعبادات والشعائر اليهودية والالتزام بأحكام الشريعة اليهودية .
إثارة الروح القتالية بين اليهود ، والعصبية الدينية والقومية لهم للتصدي للأديان والأمم والشعوب الأخرى .
---- أما الجانب السياسي فيتلخص فيما يلي :
محاولة تهويد فلسطين ( أي جعلها يهودية داخلياً ) وذلك بتشجيع اليهود في جميع أنحاء العالم على الهجرة إلى فلسطين وتنظيم هجرتهم وتمويلها ، وتأمين وسائل الاستقرار النفسي والوظيفي والسكني وذلك بإقامة المستوطنات داخل أرض فلسطين (( وهي عبارة عن مجمعات سكنية حديثة كاملة المرافق تمولها الصهيونية من تبراعات اليهود والدول الموالية لهم في العالم )) ، وتوطيد الكيان اليهودي الناشئ في فلسطين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً .
تدويل الكيان الاسرائيلي في فلسطين عالمياً ، وذلك بانتزاع اعتراف اكثر دول العالم بوجود دولة إسرائيل في فلسطين وشرعيتها وضمان تحقيق الحماية الدوليه لها ، وفرضها على العالم ، وعلى المسلمين على وجه الخصوص . لذلك نجد أن الصهيونية تقوم بدور رئيس في دفع أمريكا وروسيا وأكثر الدول في أوربا لحماية اسرائيل سياسياً وعسكرياً ودعمها اقتصاديا وبشريا ، فبالرغم من ان امريكا ودول أوربا - دول نصرانية - ، وبالرغم من ان روسيا شيوعية تحارب الأديان وبالرغم ايضا من ان شعوب هذه الدول تكره اليهود بحق الا انها لا تزال تحمي دولة اسرائيل وتدعمها . وما ذك إلا بتأثير الصهيونية الواضح.
متابعة وتنفيذ المخططات اليهودية العالم السياسية والاقتصادية ، خطوة بخطوة ، ووضع الوسائل الكفيلة بالتنفيذ السريع والدقيق لهذه المخططات ، ثم التهيئة لها إعلاميا وتمويلها اقتصاديا ، ودعمها سياسياً .
توحيد وتنظيم جهود اليهود في جميع العالم أفراد وجماعات ومؤسسات ومنظمات ، وتحريك العملاء والمأجورين عند الحاجة لخدمة اليهود وتحقيق مصالحهم ومخططاتهم.
مغالطات صهيونية :
في نهاية القرن التاسع عشر ، عندما ظهرت الحركة الصهيونية ، كان ما يسمى " التيار الوطني " هو الغالب في هذه الحركة ، وهوالتيار الداعي إلى بقاء اليهود في بلادهم الأصلية ، والعمل على الإندماج في هذه المجتمعات، وكانت غالبيته من المثقفين والعمال الفقراء أو من الطبقة المتوسطة.
اما التيار الثاني ، فهو " التيار القومي " وكان يتزعمه غلاة الصهاينة من كبار الأغنياء اليهود الباحثين قبل كل شىء عن " أرض " يمارسون عليها نشاطهم الإقتصادي بعيداً عن منافسة البرجوازية الآوروبية القوية ، ولم يكن يعنيهم كثيراً أن تكون هذه الأرض فلسطين أو غيرها ، فالموضوع بالنسبة لهم كان مشروعاً إقتصادياً فحسب .
وبالفعل فقد طرح في البداية انشاء دولة لليهود في آوغندا أو غانا ! ثم طرح انشاء دولة في مناطق واسعة من الأرجنتين ! ومع ظهور النزعات العنصرية في آوروبا والمذابح التي تعرض لها اليهود في روسيا أولا ، ثم في باقي الدول الآوروبية ، ازداد انصار التيار القومي الداعي إلى وطن قومي لليهود. ونتيجة عدد كبير من العوامل تم اختيار فلسطين لتكون هي الوطن القومي المزعوم " وهذه العوامل يمكن مناقشتها في مبحث مستقل " .
من الطريف ذكره ، أن أدبيات الحركة الصهيونية كانت تسمي فلسطين باسمها الأصلي ، ولم تكن تسمية اسرائيل قد خطرت لهم على بال ، حتى بعد قيام اسرائيل كانت تسمى " فلسطين " حتى العام 1952 على الأقل ، لأنهم يعرفون أن شعب إسرائيل المزعوم ، كان قد اندثر من الوجود ، وذاب بين شعوب المنطقة منذ القرن السادس قبل الميلاد على الأقل ! وأن اللغة العبرية نفسها قد اندثرت من الوجود منذ ذلك الزمن أيضاً ، وقد كان اليهود يتكلمون الآرامية " المقصود يهود السبي في بابل وبعد ذلك في فلسطين " ثم بعد ظهور العربية وهيمنتها على المنطقة تكلم اليهود العربية مثلهم مثل غيرهم من شعوب المنطقة.
وعندما قامت الصهيونية بمحاولة إحياء اللغة العبرية ، وهي المحاولة التي كان لليهود الألمان الدور البارز فيها ، فقد جاءت العبرية الحديثة إصطناعاً على اصطناع ، وهي لا تمت بصلة لللغة العبرية الأصلية ، ذات الأصل الشرقي العريق . فاللغة العبرية الحديثة غير قادرة على نطق ثلاثة من الأحرف الأساسية في " اللغات السامية " وهي الحاء والعين والقاف، إضافة إلى قلب الحروف المأخدوذ عن الإرمية ، وتحويل الألمان الحرف ( و ) إلى ف ، بثلاثة نقاط وهو الحرف الألماني ( w ) وهكذا ضاعت اللغة العبرية ، مرتين ، واصبحت لغة عجيبة ، هجينة ، مصطنعة ، حتى النهاية .
مثال آخر للتزوير البشع الذي تمارسه الصهيونية ، هو إدعائها بأن اليهود في جميع أنحاء العالم ليسوا أتباع دين معين هو الدين اليهودي ، فقط ، ولكنها تذهب أبعد من ذلك ، [ان تدعي بأن هؤلاء إنما هم شعب واحد من عرق واحد ن في واحدة من اكثر الخدع بشاعة في تاريخ الإنسانية .
مثال ثالث للتزوير والخداع ، هو إدعائها بأن فلسطين ، هي الأرض الموعودة ، وهي مسرح التوراة ، وهي الحاضنة الطبيعية للديانة اليهودية ! ورغم فشلهم الذريع في إثبات هذا الأمر وهم ينبشون في تراب فلسطين منذ أكثر من قرنين من الزمان مزودين بكل ما يخطر على بال من إمكانيات تكنلوجية ، وملايين الدولارات ، وأدعية الحاخامات ، وقد أخرجت أرض فلسطين كل أسرارها ، ولم يعثر على أثر واحد لكل ما ذكر في التوراة ، لا قصور ولا ممالك ولا ما يحزنون ، وبقيت أرض فلسطين وفية حتى النهاية ، رغم أن بعض أبنائها قد غيروا جلودهم ، المهم أن كل الحضارات التي مرت على فلسطين نعرفها جيداً ويمكن تزمينها بدقة ، وأبرز هذه الحضارات هي الحضارة الكنعانية والحضارة الفلسطينية، حتى إنسان ما قبل التاريخ كان حاضرا بأدواته البدائية ، ليكون شاهد على فضيحة الهدهد هذه . فجن جنونهم وبدأوا يمارسون الكذب علانية ، مستفيدين بالدرجة الأولى من غياب الطرف العربي ، وصمته المريب ، ومستفيدين من بعض اطروحات الفقه الإسلامي البائسة من نوع " العلو الثاني " و " الوعد الإلهي " وهم يوظفون كل ما في حوزتهم من إمكانيات لتزوير التاريخ وإعادة كتابته كما يريدونه ، سينما ، موسيقى ، قصص ، أفلام كرتون ، سياحة ، طبيخ ، كل شىء ، كل شىء .
والعرب ، أين العرب من كل هذا ؟ يؤسفني أن أقول أن رد الفعل العربي كان الغياب التام ولا شىء غير الغياب ، بل أخطر من ذلك نحن ، العرب ، مارسنا بغباء لا نحسد عليه ترديد بعض المقولات التوراتية ، وهي كثيرة جداً ومخزية في حق ثقافة عريقة كثقافتنا العربية !
الماسونية FreeMasonic
جذور الماسونية
في إطار حملتهم للقضاء على الديانة النصرانية، أنشأ اليهود جمعية سرية أطلقوا عليها اسم "القوة الخفية" واستعانوا بشخصية يهودية تعرف باسم "احيرام أبيود" أحد مستشاري الملك هيرودس الثاني عدو النصرانية الأكبر على تحقيق هذه الغاية، وأسندت رئاسة الجمعية إلى الملك المذكور، وهكذا تم عقد أول اجتماع سري عام 43م حضره الملك المذكور ومستشاراه اليهوديان "احيرام أبيود وموآب لافي" وستة من الأنصار المختارين، وكان الغرض الرئيس من إنشاء هذه الجمعية القضاء على النصرانية.
ثم عقدوا الاجتماع الثاني واتخذوا بعض القرارات السرية وتعاهدوا على كتمانها وأفسحوا لمن يثقون بهم المجال للانضمام إلى هذه الجمعية على أن تعصب عينيْ كل من يود الانتساب للجمعية، واتفقوا على اتخاذ بعض الأدوات الهندسية كالبيكار والميزان رمزاً لمنـظمتهم السرية، وبعد هلاك الملك هيرودس انتقلت رئاسة هذه الجمعية السرية إلى "احيرام" مستشاره ثم أعقبه ابن أخيه "طوبان لقيان". واستمرت جمعية القوة الخفية تعمل في السر، ولا يدري أحد عنها شيئاً حتى أميط اللثام عن هذه المنظمة عام 1717م، وذلك لدى ظهور ثلاثة من أقطاب اليهود "جوزيف لافي وابنه إبراهيم وإبراهيم أبيود"، وكانوا يحتفظون بنسخة من مبادئ هذه الجمعية وقراراتها وطقوسها وأخذوا يجوبون الأقطار للاتصال بالبقية الباقية من أتباع هذه المنظمة السرية، وكانوا يهدفون إلى استعادة مجد إسرائيل، واسترداد هيكل سليمان في بيت المقدس، ثم قصدوا لندن التي كانت تضم أعظم جماعة من اليهود المنتمين إلى تلك القوة الخفية.
وفي 24 يونيو من العام المذكور، عقد هؤلاء الثلاثة الذين يعتبرون ورثة السر أول اجتماع في العاصمة البريطانية وضموا إليهم اثنين من غير اليهود البسطاء للتمويه والتضليل وقرروا تجديد جمعية "القوة الخفية" ووضعوا لها بعض المبادئ البراقة "حرية، مساواة، إخاء، تعاون" واستبدلوا الرموز القديمة باصطلاحات جديدة كما قرروا تبديل اسم "هيكل" الذي كانوا يستعملونه قديماً باسم "محفل" وتبديل اسم القوة الخفية باسم "البنائين الأحرار" (ماسون تعني بناء). ولأول مرة في التاريخ ظهر لعالم الوجود ما يسمونه بالبنائين الأحرار، وأخذت تنتشر الجمعيات التي تحمل هذا الاسم، وزعم أقطاب اليهود الذين يقفون وراء هذه الجمعيات أن أهدافها نشر المبادئ الإصلاحية والاجتماعية وبناء مجتمع إنساني جديد. وقد استطاعوا أن يتخذوا من أحد أنصارهم "ديزا كولييه" مطية لتحقيق أغراضهم وأطلقوا عليه وعلى من يسيرون على غراره من غير اليهود اسم "العميان" كما أطلقوا على اسم محفل لندن الماسوني المركزي اسم "محفل إنجلترا الأعظم" على أن يكون في مقدمة مهامه دعم اليهود ومحاربة الأديان وبث روح الإلحاد والإباحية.
و للحركة الماسونية تاريخ أسود، وتردد اسمها عند نشأة كثير من الحركات السرية والعلنية وفي مؤامرات عديدة ، وعُرفت بطابع السرية والتكتم وبالطقوس الغريبة التي أخذت الكثير من رموزها من التراث اليهودي وكُتبت حولها الآلاف من الكتب في الغرب وفي الشرق. ومن أهم الحركات والثورات التي كانت الماسونية وراءها الثورة الفرنسية، وحركة الاتحاد والترقي التي قامت بحركة انقلابية ضد السلطان عبدالحميد الثاني ووصلت إلى الحكم ثم مالبثت أن ورطت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى مما أدى إلى تمزقها وسقوطها.
وقد ظل طابع السرية يلف هذه الحركة في اجتماعاتها ومنتدياتها وتحركاتها حتى طرأ تطور جديد، إذ تجرأت بفتح أبوابها وإعلان نشاطها متحدية كل المشاعر المتأججة ضدها. وكانت تركيا .. المحطة الأولى في المنطقة لإعلان هذا النشاط، ثم جاء الأردن ثانية، ولا ندري أين ستكون المحطة الثالثة؟ الماسونية كما هو ثابت نتاج الفكر اليهودي، وتركيا ترتبط مع إسرائيل بحلف استراتيجي، فهل هناك علاقة تجمع بين أطراف هذا الثالوث؟ وما قصة الماسونية في تركيا؟.. وماذا فعلت فيها؟ ولنبدأ من البداية :
اسطنبول : أورخـان محمد علي. لأول مـرة في تاريخه .. المحفل التركي يفتح أبوابه ويمـــارس نشـاطـه علناً!
تأسس أول محفل ماسوني في الدولة العثمانية عام 1861م تحت اسم "الشورى العثمانية العالية" ولكنه لم يستمر طويلاًً، فالظاهر أنه قوبل برد فعل غاضب مما أدى إلى إغلاقه بعد فترة قصيرة من تأسيسه. ومن المعروف أن أول سلطان عثماني ماسوني كان السلطان مراد الخامس الشقيق الأكبر للسلطان عبدالحميد الثاني والذي لم يدم حكمه سوى ثلاثة اشهر تقريباً عندما أقصي عن العرش لإصابته بالجنون. وقد انتسب إلى الماسونية عندما كان ولياً للعهد وارتبط بالمحفل الأسكتلندي، كما كان صديقاً حميماً لولي العهد الإنجليزي الأمير إدوارد "ملك إنجلترا فيما بعد" الذي كان ماسونياً مثله، حتى ظنّ بعض المؤرخين أن ولي عهد إنجلترا هو الذي أدخله في الماسونية، ولكن هذا غير صحيح لأنه كان ماسونياً قبل تعرفه إلى الأمير "إدوارد" .
وكان من النتائج الخطيرة لتواجد المحافل الماسونية الأجنبية داخل حدود الدولة العثمانية احتضان هذه المحافل حركة "الاتحاد والترقي" وهي في مرحلة المعارضة في عهد السلطان عبدالحميد الثاني، وأصبحت المحافل الماسونية محل عقد اجتماعات أعضاء جمعية الاتحاد والترقي بعيداً عن أعين شرطة الدولة وعيونها لكونها تحت رعاية الدول الأجنبية ولا يمكن تفتيشها. ويعترف أحد المحافل الماسونية التركية الحالية وهو محفل "الماسنيون الأحرار والمقبولون" في صفحة "الإنترنت" التي فتحوها تحت رموز: بأنه : " من المعلوم وجود علاقات حميمة بين أعضاء جمعية الاتحاد والترقي وبين أعضاء المحافل الماسونية في تراقيا الغربية، بدليل أن الذين أجبروا السلطان عبدالحميد الثاني على قبول إعلان المشروطية كان معظمهم من الماسونيين".
يقول المؤرخ الأمريكي الدكتور "أرنست أ. رامزور" في كتابه "تركيا الفتاة وثورة 1908م" وهو يشرح سرعة انتشار حركة جمعية الاتحاد والترقي في مدينة سلانيك:
"لم يمض وقت طويل على المتآمرين في سلانيك وهي مركز النشاط حتى اكتشفوا فائدة منظمة أخرى وهي الماسونية، ولما كان يصعب على عبدالحميد أن يعمل هنا بنفس الحرية التي كان يتمتع بها في الأجزاء الأخرى من الإمبراطورية فإن المحافل الماسونية القديمة في تلك المدينة استمرت تعمل دون انقطاع ـ بطريقة سرية طبعاً ـ وضمت إلى عضويتها عدداً ممن كانوا يرحبون بخلع عبدالحميد."
ثم يقول "ويؤكد لنا دارس آخر أنه في حوالي سنة 1900 قرر "المشرق الأعظم" الفرنسي (أي المحفل الماسوني الفرنسي) إزاحة السلطان عبدالحميد وبدأ يجتذب لهذا الغرض حركة تركيا الفتاة منذ بداية تكوينها. ثم إن محللاً آخر يلاحظ: يمكن القول بكل تأكيد إن الثورة التركية (أي حركة جمعية الاتحاد والترقي) كلها تقريباً من عمل مؤامرة يهودية ماسونية".
ويقول "سيتون واطسون" في كتابه "نشأة القومية في بلاد البلقان": "إن أعضاء تركيا الفتاة ـ الذين كان غرب أوروبا على اتصال دائم معهم ـ كانوا رجالاً منقطعين وبعيدين عن الحياة التركية وطراز تفكيرها لكونهم قضوا ردحاً طويلاً من الزمن في المنفى، وكانوا متأثرين وبشكل سطحي بالحضارة الغربية وبالنظريات غير المتوازنة للثورة الفرنسية. كان كثير منهم أشخاصاً مشبوهين، ولكنهم كانوا دون أي استثناء رجال مؤامرات لا رجال دولة، ومدفوعين بدافع الكراهية والحقد الشخصي لا بدافع الوطنية. والثورة التي أنجزوها كانت نتاج عمل مدينة واحدة وهي مدينة سلانيك إذ نمت وترعرعت فيها وتحت حماية المحافل الماسونية "جمعية الاتحاد والترقي" وهي المنظمة السرية التي بدلت نظام حكم عبدالحميد.
وكما كان عهد الاتحاديين هو العهد الذهبي بالنسبة لليهود الراغبين في الهجرة إلى فلسطين كذلك كان العهد الذهبي في فتح المحافل الماسونية في طول البلاد وعرضها في الدولة العثمانية. يقول فخر البارودي في مذكراته واصفاً وضع دمشق بعد وصول الاتحاد والترقي إلى الحكم : "وقد ساعد الاتحاديين على نشر دعايتهم اللوج ـ أي المحفل ـ الماسوني الذي كان مغلقاً قبل الدستور" ثم يقول: "وبعد الانقلاب فتح المحفل أبوابه، وجمع الأعضاء شملهم وأسسوا محفلاً جديداً أسموه محفل "نور دمشق" وربطوه بالمحفل الأسكتلندي"
ولكي نعرف مكانة المحافل الماسونية لدى أعضاء جمعية الاتحاد والترقي نسوق هنا اعتراف أحد أعضائهم: "كان هناك نوعان من الأعضاء في الجمعية: أحدهما مرتبط بالمحفل الماسوني وهذا كنا نطلق عليه اسم الأخ من الأب والأم، وآخر غير مرتبط بالمحفل الماسوني، فكنا نطلق عليه اسم الأخ من الأب فقط". وفي كتاب نشره الماسونيون في تركيا تحت عنوان "الماسونية في تركيا وفي العالم" يتحدث عن دور المحافل الماسونية في إنجاح حركة الاتحاديين: "وقد انتشرت الماسونية بشكل خاص في سلانيك وحواليها. ومع أن عبدالحميد حاول أن يحد ويشل الحركة الماسونية هناك، إلا أنه لم يوفق في مسعاه" ، "وقد قامت هذه المحافل، لاسيما محفل "ريزورتا" ومحفل "فاريتاس" بدور كبير في تأسيس وتوسيع حركة جمعية الاتحاد والترقي، كما كان للماسونيين دورهم في "إعلان الحرية" سنة 1908م.
الماسونية في سطور
الماسونيه .. إشتقاق لغوى من الكلمه الفرنسيه ( ْMacon ) ومعناها ( البناء ) والماسونيه تقابلها ( Maconneries ) .. أى الباؤون الأحرار .. وفى الإنخليزيه يقال : فرى ماسون ( Free-mason ) ( البناؤون الأحرار ) . وبذلك يتضح أن هذه المنظمه يربطها أصحابها ومؤسسوها بمهنة البناء . وبالفعل يزعم مؤرخوها ودعاتها أنها فى الأصل تضم الجماعات المشتغله فى مهن البناء والعمار . وفى هذا التبرير التخفيفى يحاولون إظهارها وكأنها أشبه بنقابه للعاملين فى مهن البناء! ولو كانت الماسونيه نقابة محترفي أعمال بناء فما الداعى لسريتها وإخفاء أوراقها ..؟!
الماسونيه هى حركه خطيره ما إن يطرح إسمها حتى يثور القلق فى نفس المستمع . وما أن تذكر حتى ترى الجلساء يبدأون بتعداد مؤامراتها ومكائدها . ويظهرون الحيره فى أمر هذه الحركه ..التى إعتمدت السريه فى إخفاء حقيقتها وأهدافها . ولعل ذلك لأن اليهود الذين حاربوا الأنبياء والرسل . وظنوا أنهم شعب الله المختار وأن ما سواهم ( غوييم ) تنطق الغين حرف g بالإنجليزيه . أى أغبياء ضالين يوجهونهم كيف يشاؤون ويصل بهم المستوى للقول : ( الغوييم هم حيوانات بصورة بشر ) أرادوا أن تكون الماسونيه من جملة الأقنعه الى تستتر مخططاتهم وراءها .
يقول حكماء صهيون فى البرتوكول الخامس عشر من بروتوكولاتهم : أنه من الطبيعى أن نقود نحن وحدنا الأعمال الماسونيه ، لأننا وحدنا نعلم أين ذاهبون وما هو هدف كل عمل من أعمالنا . أما الغوييم فإنهم لايفهمون شيئا حتى ولا يدركون النتائج القريبة . و في مشاريعهم فإنهم لايهتمون إلا بما بما يرضي مطامعهم المؤقته ولا يدركون أيضا حتى أن مشاريعهم ذاتها ليست من صنعهم بل هى من وحينا !
هذا قليل من كثير جاء عند حكماء صهيون عن الماسونيه بأنها من الأدوات الهامه التى يسعون عبرها لتحقيق أهدافهم سواء فى بناء مملكتهم المزعومه فى فلسطين ، و إعادة بناء هيكل سليمان . أو فى تحقيق نفوذ لهم فى أية حكومه أو مؤسسه يستطيعون النفاذ إليها . أو فى نشر الفساد فى الأرض ، لأن إشاعة التعلق بالماده والشهوات والأهواء يكشف الثغرات ونقاط الضعف فى كل شخص والنافذين بشكل خاص كي يتوجهوا إليه بإشباع هذه الأهواء فيصبح رهينة بين أيديهم يستثمرونه كي يريدون ..!
والماسونيه تعتمد المنهج اليهودى فى الحط من شأن الخالق سبحانه وتعالى . فكما اليهود فى توراتهم المحرفه يقولون فى الإتحاد بين الله والإنسان . فيعطون على أساس ذلك لله تعالى أوصاف بشريه كقولهم مثلا :
بكى حتى تورمت عينيه ..!
ندم على خراب الهيكل ..!
سمع آدم وقع أقدام الرب فى الجنه ..!
كذلك الماسون يستخدمون للخالق سبحانه وتعالى تعبيرا غامضا هو : مهندس الكون الأعظم ! و في هذا التعبير إنكار واضح لخلق الله تعالى المخلوقات من العدم . فالمهندس ليس سوى بان من مواد متوفره . وقولهم الأعظم يفيد وكأن العمل تم من قبل مجموعه كان هو أعظمها !
فماسونيتهم كما يدعون فوق الأديان وهى عقيدة العقائد لا تعترف بوطنيه ولا قوميه فهي أمميه عالميه تعمل على توحيد العالم وسلام عالمي ولغه عالميه إلى ما هنالك من الشعارات البراقه التى يجد فيها الضعفاء سبيلا للهروب ومبررا لتقصيرهم فى جهادهم من إعلاء راية الإيمان وحفظ الأمم والأوطان والمقدسات.
و ليست الماسونيه حركه منظمه لايمكن محاربتها وإنما حركه مشتته متعددة النظم محافلها أكثر من أن تعد . و هي متصارعه . وكل محفل فيها يتهم غيره بالخروج عن الماسونيه والإنحراف عن مبادئها . ففى لبنان وحده وهو بلد صغير هناك عشرات المحافل و لكل واحد منها نظامه و رؤساؤه و مفاهيمه ! و الماسونيه حركه تشكل أداة بيد الصهيونيه والإستعمار ولكنها ليست الوحيده . فمن تفرعاتها أندية الروتارى والليونز التى يتباهى بعض من ينسبون أنفسهم لمراكز دينيه أو ثقافيه زورا بالإئنتماء لها أو حضور إحتفالاتها. و من مثيلاتها حركات هدامه و أبرزها البهائيه و القيدانيه !!
مفهوم الصهيونية
الصهيونية كلمة أخذها المفكر اليهودي "ناثان برنباوم" من كلمة "صهيون" لتدل على الحركة الهادفة إلى تجميع "الشعب اليهودي" في أرض فلسطين، ويعتقد اليهود أن المسيح المخلص سيأتي في آخر الأيام ليعود بشعبه إلى أرض الميعاد، ويحكم العالم من جبل صهيون. وقد حول الصهيونيون هذا المعتقد الديني إلى برنامج سياسي، كما حولوا الشعارات والرموز الدينية إلى شعارات ورموز دنيوية سياسية، ورغم تنوع الاتجاهات الصهيونية (يمينية ويسارية، ومتدينة وملحدة، واشتراكية ورأسمالية) ظلت المقولة الأساسية التي تستند إليها كل من التيارات الصهيونية هي مقولة "الشعب اليهودي"، أي الإيمان بأن الأقليات اليهودية في العالم لا تشكل أقليات دينية ذات انتماءات عرقية وقومية مختلفة، إنما تشكل أمة متكاملة توجد في الشتات أو المنفى بعيدة عن وطنها الحقيقي: "أرض الميعاد أو صهيون، أي فلسطين".
ويعتقد الصهيونيون أنه لما كان الشعب اليهودي لا يوجد في وطنه، بل هو مشتت في الخارج، فإنه يعاني من صنوف التفرقة العنصرية، ويمارس إحساساً عميقاً بالاغتراب عن الذات اليهودية الحقيقية، وبالتالي لا يمكن حل المسألة اليهودية ببعديها، الاجتماعي والنفسي، إلا عن طريق الاستيطان في فلسطين.
كما يرى الصهيونيون أن جذور الحركة الصهيونية ـ أو القومية اليهودية كما يسمونها ـ تعود إلى الدين اليهودي ذاته، وأن التاريخ اليهودي بعد تحطيم الهيكل على يد الرومان، هو تاريخ شعب مختار منفي، مرتبط بأرضه، ينتظر دائماً لخطة الخلاص والنجاة.
ويعلم دارسو الدين اليهودي أن الارتباط اليهودي بالعودة إلى الأرض المقدسة هو ارتباط توراتي مشروط، إذ أن الدين اليهودي يحرم العودة إلى أرض الميعاد، ويعتبر أن مثل هذه المحاولة هي من قبيل التجديف والهرطقة، لأن عودة اليهود حسب المعتقد الديني ـ لا يمكنها أن تتم إلا على يد مبعوث من الله، هو المسيح المخلص، وليس على يد حركة سياسية مثل المنظمة الصهيونية العالمية، ولذا حينما ظهرت الحركة الصهيونية عارضتها المنظمات اليهودية في العالم، وما تزال أقلية من هذه الجماعات تنادي بهذا المفهوم مثل جماعة "ناطوري كارتا" اليهودية المتدينة والتي تتمركز في الولايات المتحدة.
بداية الوحي "الرســــالة"
بينما العيون الشرهة، والنفوس الطمعة، والأيدى المتلهفة، تسعى فى دروب مكة وأسواقها، تفتش عن ملذات الدنيا، وتعاقر أهواءها، وتعافس أدرانها، إذ كانت نفس محمد -صلى الله عليه وسلم- الزكية، تبحث حيرى، وتنقب مشتاقة عن نور الحق. يسأل محمد نفسه: أيرفع الله هذى السماء بلا عمد، ويبسط الأرض، ويقيم الجبال كالوتد، ثم يتركها، ويترك عباده وخلقه، يدبر مصيرهم اللات وهبل؟! حاشاه أن يفعل. فما سر هذا الكون إذن؟، وما صفات خالقه العظيم يا ترى؟!، وما هذا السبيل الذى يريدنا أن ننتهجه، لتكون لنا السعادة والنور فى الدجى؟. لن يكون هذا السبيل بحال تجرع الملذات التى تشاركنا فيها البهائم كشأن العرب، ولا الحرص الذميم على الحياة التى لابد من مفارقتها كشأن اليهود، ولا هجران هذه الحياة، واعتزالها كما تصنع النصارى، ولا السجود للنار التى لا تضر ولا تنفع كالفرس، فماالسبيل إذن؟!، وما الطريق المبتغى؟!. ذلكم كان السؤال الذى دفع محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أن يعتزل مكة وأهلها فى غار حراء حيث الخلوة، على مسافة تقارب الميلين من مكة كان محمد -صلى الله عليه وسلم- يجد فى سكون غار حراء فسحة للتفكير والتأمل، ولا يحظى بها فى مكة الصاخبة، فكان يقيم فيه شهر رمضان، يطالع كتاب الله المنشور فى الكون باتساعه، ويقضى وقته فى عبادة إله هذا الكون، الذى رأى قدرته، وتاقت نفسه لمعرفة صفاته وأحكامه، حتى صفت نفسه، وزكا فؤاده، وأصبح مستعدًا لاتصاله بعالم الغيوب، فكانت الرؤيا -إحدى أجزاء النبوة- تأتيه فيجدها تجىء كفلق الصبح، واستمر على ذلك ما يناهز الشهور الستة، حتى كان نزول جبريل عليه بالغار فى رمضان، بعد أن تجاوز النبى -صلى الله عليه وسلم- الأربعين من عمره.
فى إحدى الليالى الوترية بالعشر الأواخر من رمضان,كانت الدنيا حيرى فى ظلمات الجاهلية المشتاقة إلى نور الله، قد استعدت لاستقبال رسول رب العالمين، الأمين جبريل -عليه السلام-، أما محمد -صلى الله عليه وسلم- المتحنث فى غاره بغية الحق، فقد أصابه الفزع لنزول جبريل، وارتعد فؤاده لمجيئه، وضاعف من اضطرابه -صلى الله عليه وسلم- سؤال جبريل له أن يقرأ، وهو الرجل الأمى، أما جبريل -عليه السلام- فإنه بعد أن أعاد محمد قوله: ما أنا بقارئ، للمرة الثالثة فقد قام بإبلاغه أولى كلمات رب العالمين المرسلة إلى خاتم المرسلين -عليهم الصلاة والسلام-: (اقرأ باسم ربك الذى خلق).
مضى جبريل إلى سمائه وبقى محمد -صلى الله عليه وسلم- فى غاره مضطربًا فزعًا، ما هذا الذى حدث له؟، من كلمه؟، وما هذه الكلمات التى نقشت فى صدره؟، لقد عهد الرؤيا الصادقة وتعود عليها، لكن ماذا يحدث له الآن؟ أتراه قد جن؟، إن نفسه ليس عليها شىء أبغض من شاعر أو مجنون، فإن كان قد جن فالموت خير له!! هكذا قرر فى ساعة فزعه بل وأسرع ينفذ خطته بأن يلقى نفسه من شاهق، لكنه ما إن توسط الجبل حتى سمع صوتًا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل، فرفع رأسه إلى السماء فإذا جبريل فى صورة رجل صاف قدميه فى أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، وتسمر النبى -صلى الله عليه وسلم- فى مكانه، فما يتقدم أو يتأخر، وقد شغله ذلك عما أراد، وبعثت خديجة -رضى الله عنها- رسلها يبحثون عنه فى مكة فما وجدوه، وعادوا إليها، أما محمد -صلى الله عليه وسلم- فما إن ذهب عنه جبريل حتى أسرع هابطًا إلى خديجة زوجته العاقلة الحنون، يجلس إلى فخذها، ويلتصق بها، يقص عليها غريب خبره وعجيب أمره، فتطمئنه خديجة بقولها: أبشر يابن العم واثبت. فوالذى نفس خديجة بيده إنى لأرجو أن تكون نبىّ هذه الأمة. ثم انطلقت خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل لتقص عليه الخبر.
خليفة خطاب
02-22-2006, 01:43 AM
مع ورقة بن نوفل
قدوس قدوس، والذى نفس ورقة بيده لقد جاءه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى، وإنه لنبى هذه الأمة فقولى له فليثبت. هكذا كانت كلمات ورقة الحاسمة، إلى خديجة المتسائلة، أليس ورقة رجلاً يقرأ فى الكتب السابقة؟، أليس هو يعرف قرب أوان نبى هذه الأمة وصفته؟، ثم أليس هو يعرف محمدًا؟، ففيم التردد وفيم الدهشة؟ محمد نبى هذه الأمة! هذه هى الحقيقة ببساطة، وما صنع ورقة سوى أن رددها بلسانه! ثم إذا قابل محمدًا -صلى الله عليه وسلم- تمنى فقال: يا ليتنى فيها جذع، ليتنى أكون حيًا إذ يخرجك قومك، ثم يجيب النبى المتعجب من إخراجه: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. سنن متتابعة ليس منها مفر، ولا عنها من محيص، لكن ورقة لم يدركه يوم محمد -صلى الله عليه وسلم- ليبر بوعده، فما لبث إلا يسيرًا حتى مات ورقة وفتر الوحى.
أقسام الوحى
لم يكن وحى الله لمحمد -صلى الله عليه وسلم- على صورة واحدة إنما على أوجه سبعة يذكرها الإمام ابن القيم فيقول:
إحداها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه -صلى الله عليه وسلم-.
الثانية: ما كان يلقيه الملك فى رُوْعِهِ -قَلْبِهِ- من غير أن يراه.
الثالثة: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يتمثل له الملك رجلاً فيخاطبه حتى يعى عنه ما يقول له.
الرابعة: أنه كان يأتيه فى مثل صلصلة الجرس، وكان أشد عليه فيلتبس به الملك، حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا فى اليوم شديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها.
الخامسة: أنه يرى الملك فى صورته التى خلق عليها، فيوحى إليه ما شاء الله أن يوحيه.
السادسة: ما أوحاه الله إليه وهو فوق السماوات ليلة المعراج.
السابعة: كلام الله له منه إليه، بلا واسطة ملك، كما كلم موسى بن عمران، وثبوتها لنبينا -صلى الله عليه وسلم- هو فى حديث الإسراء. وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة، وهى تكليم الله له كفاحًا من غير حجاب وهى مسألة خلاف بين السلف والخلف.
علم محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه نبى! وانتظر الوحى، ولعل تشوقه إليه كان ضروريًا لاحتماله عند اللقاء، وبينما النبى -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم يمشى إذ رفع بصره إلى السماء فرأى جبريل قاعدًا على كرسى بين السماء والأرض، فهوى النبى -صلى الله عليه وسلم- على الأرض فرقًا، وجاء خديجة يرتعش مرددًا: زملونى زملونى؛ فأنزل الله تعالى إليه: (يا أيها المدثر..) إلى قوله (..والرجز فاهجر)، ثم حمى الوحى وتتابع بعد ذلك وكانت تلك الآيات أمرًا بالدعوة بين الناس.
"الاسبوع الأول من بعثة الحبيب"
بعدأن جاء جبريل للحبيب ودار بينهما حوار وخاف النبي ونزل من 3 ميل إلى بيته وهو يقول ((زملوني,زملوني))
ثم قال لخديجة:لقد خفت على نفسي
قالت السيدة خديجة رضي الله عنها:
كلا والله لايخزيك الله ابداً ,أنك لاتصل الرحم ,وتحمل الكل ,وتكسب المعدوم ,وتقري الضيف,وتعين على نوائب الحق))
بعد تثبيت خديجه للحبيب ذهبت به على ابن عمها ورقه
ورقه كان يقرا الانجيل والثورات الوحيد الذي يوجد في مكه مسيحي كان يبلغ من عمرة 90 سنه فقد بصرة بسبب القرا الكثير وكبر السن
اخبر الحبيب ورقه بما حصل فاجاب باربع جمل:-
(1) أنك لنبي آخر الزمان أنك لنبي آخر الامه
(2) لقد أتاك الناموس الذي جاء موسى
(3) ,ان قومل سوف يكذبوك ويقتلونك وياذوك ويخرجوك..
(4) ليتني اكون جدع((شاباً)) اذ يخرجوك قومك وأن يدركني يومك انصرك نصراً موزراً قال:اويخرجوني؟قال:نعم لم ياتي رجل قط مما أتيت به إلا وأؤدي
أول درس تعلمه الحبيب الصلااااااااااااة
اسلم من بيت الحبيب صلى الله عليه وسلم 10 أشخاص,خديجة رضى الله عنها ,بناته الاربع(زينب ـ رقية ـ أم كلثوم ـ فاطمة), علي رضى الله عنه,وخادمه زيد رضى الله عنه ,وجاريتين
وكان ابو بكر هو 11 الذي اسلم
عنما عرض النبي الاسلام لعلي قال
دعني أفكر
ثم جاء اليوم الثاني وساله ماذا قلت
قال علي اعد عليا ماقلت بالامس
ثم قال اشهد الا اله الا الله واشهد انك لرسول الله
أول أسبوع من أسلام أبو بكر أسلم6 من 10 المبشرين في الجنه
[1]عثمان بن عفان((34 سنه))
[2]طلحه((15 سنه))
[3] الزبير..
[4] عبد الرحمان((32 سنه))
[5] سعد بن وقاص((22 سنه))
[6] أبو عبيدة ((24 سنه))
قال الحبيب صلى الله عليه وسلم((لو وزن ايمان الامه بكفه ووزن ايمان ابو بكر بكفه لرجح ايمان ابو بكر))
مع الحبيب ثلاث فئات كبار السن مثل خديجة وسمية وصغار السن مثل علي,وطلحه ومتوسط السن وهذه الاغلبية مثل سعد ,عبد الرحمن
الحاله الاجتماعية
34 غني و13 فقير
القبائل
من 16 قبيلة
45 اسم حملوا الاسلام
اسلم للان 45 ـــــــــ> 100 ــــــــــــــ> 200 شخص
بعد ثلاث سنين سنعلن الأسلام
((فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين))
((وانذر عشيرتك الاقربين))
أبدابالعائله:-
الدعوة الأولى:-
45 واحد جمع النبي من بني عبد المطلب وبعض من بني هاشم وجمع النساء والرجال
وبعد الطعام قام أبو لهب وعارض الحبيب فسكت الحبيب ولم يتكلم ففشلت الدعوة الاولى
*الدعوة الثانية:-
في الوليمة الثانية استطاع الحبيب أن يجد الحماية من القبيلة أما الايمان فلم يؤمن احد الا علي قال للحبيب أنا ابايعك
يتبع
خليفة خطاب
02-22-2006, 01:44 AM
من البعثة إلى الهجرة
_مرحلة الدعوة الجهرية:
الدعوة الإسلامية في بداية أمرها تنتهج السرية في تبليغ رسالتها، لظروف استدعت تلك الحال، واستمر الأمر على ذلك ثلاث سنين، ثم كان لابد لهذه الدعوة من أن تعلن أمرها وتمضي في طريقها الذي جاءت من أجله، مهما لاقت من الصعاب والعنت والصد والمواجهة.
فقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم -وقد بعثه رسولاً للناس أجمعين- أن يصدع بالحق، ولايخشى في الله لومة لائم فقال: { فَاصدع بِما تؤمر وأعرض عن المشركين } (الحجر:94) وأخبره أن يبدأ الجهر بدعوة أهله وعشيرته الأقربين، فقال مخاطباً له { وأنذر عشِيرَتَك الأقربين } (الشعراء:214) فدعا بني هاشم ومن معهم من بني المطلب، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزل قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين } صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي:
( يا بني فهر يا بني عديٍّ - لبطون قريش - حتى اجتمعوا فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولاً لينظر ما هو الخبر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصِّدقي؟ قالوا ما جربنَّا عليك كذباً، قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال له أبو لهب: تباً لك إلهذا جمعتنا ) متفق عليه .
فكانت هذه الصيحة العالية بلاغاً مبيناً، وإنذاراً صريحاً بالهدف الذي جاء من أجله، والغاية التي يحيا ويموت لها، وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم ووضََّح لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو الرابط الوحيد بينه وبينهم، وأن عصبية القرابة التي ألِفوها ودافعوا عنها واستماتوا في سبيلها، لاقيمة لها في ميزان الحق، وأن الحق أحق أن يتبع، فها هو يقف مخاطباً قرابته -كما ثبت في الحديث المتفق عليه بقوله: ( يا عباس بن عبد المطلب يا عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً ، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا ً) .
ولم يكن صلى الله عليه وسلم يبالي في سبيل دعوته بشئ، بل يجهر بالحق ويصدع به لا يلوي على أعراض من أعرض، ولا يلتفت إلى استهزاء من استهزأ، بل كانت وجهته إلى الله رب العالمين { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} (الأنعام:162) وكانت وسيلته الجهر بكلمة الحق { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} (يوسف:108).
وقد لاقى رسول الله صلى الله عليه وسلم جراء موقفه هذا شدة وبأساً من المشركين، الذين رأوا في دعوته خطراً يهدد ما هم عليه، فتكالبوا ضده لصده عن دعوته، وأعلنوا جهاراً الوقوف في مواجهته، آملين الإجهاز على الحق الذي جاء به { والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (يوسف21).
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه يدعو إلى الله متلطفاً في عرض رسالة الإسلام، وكاشفاً النقاب عن مخازي الوثنية، ومسفهاً أحلام المشركين.فوفق الله تعالى ثلة من قرابته صلى الله عليه وسلم وقومه لقبول الحق والهدى الذي جاء به، وأعرض أكثرهم عن ذلك، ونصبوا له العداوة والبغضاء، فقريش قد بدأت من أول يوم في طريق المحاربة لله ولرسوله، متعصبة لما ألِفته من دين الآباء والأجداد، كما حكى الله تعالى عنهم على سبيل الذم والإنكار فقال: { إنا وجدنَا آباءَنا على أمة وإنا على آثَارهم مهتدون} (الزخرف:22).
وخاتمة القول : إن الجهر بالدعوة كان تنفيذاً لأمر الله تعالى، وقياماً بالواجب، وقد صدع النبي صلى الله عليه وسلم بالحق كما أراد الله، ولاقى مقابل هذا الإعلان ما قد علمنا من عداوة المشركين له وللمؤمنين من حوله، والتنكيل بهم، ولكن كان البيع الرابح مع الله تعالى، والعاقبة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به فملكوا الدنيا ودانت لهم، وهدى الله بهم الناس إلى الصراط المستقيم، وفي الدار الآخرة لهم الحسنى عند الله تعالى.
من البعثة إلى الهجرة
_مرحلة الدعوة الجهرية:
الدعوة الإسلامية في بداية أمرها تنتهج السرية في تبليغ رسالتها، لظروف استدعت تلك الحال، واستمر الأمر على ذلك ثلاث سنين، ثم كان لابد لهذه الدعوة من أن تعلن أمرها وتمضي في طريقها الذي جاءت من أجله، مهما لاقت من الصعاب والعنت والصد والمواجهة.
فقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم -وقد بعثه رسولاً للناس أجمعين- أن يصدع بالحق، ولايخشى في الله لومة لائم فقال: { فَاصدع بِما تؤمر وأعرض عن المشركين } (الحجر:94) وأخبره أن يبدأ الجهر بدعوة أهله وعشيرته الأقربين، فقال مخاطباً له { وأنذر عشِيرَتَك الأقربين } (الشعراء:214) فدعا بني هاشم ومن معهم من بني المطلب، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزل قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين } صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي:
( يا بني فهر يا بني عديٍّ - لبطون قريش - حتى اجتمعوا فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولاً لينظر ما هو الخبر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصِّدقي؟ قالوا ما جربنَّا عليك كذباً، قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال له أبو لهب: تباً لك إلهذا جمعتنا ) متفق عليه .
فكانت هذه الصيحة العالية بلاغاً مبيناً، وإنذاراً صريحاً بالهدف الذي جاء من أجله، والغاية التي يحيا ويموت لها، وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم ووضََّح لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو الرابط الوحيد بينه وبينهم، وأن عصبية القرابة التي ألِفوها ودافعوا عنها واستماتوا في سبيلها، لاقيمة لها في ميزان الحق، وأن الحق أحق أن يتبع، فها هو يقف مخاطباً قرابته -كما ثبت في الحديث المتفق عليه بقوله: ( يا عباس بن عبد المطلب يا عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً ، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا ً) .
ولم يكن صلى الله عليه وسلم يبالي في سبيل دعوته بشئ، بل يجهر بالحق ويصدع به لا يلوي على أعراض من أعرض، ولا يلتفت إلى استهزاء من استهزأ، بل كانت وجهته إلى الله رب العالمين { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} (الأنعام:162) وكانت وسيلته الجهر بكلمة الحق { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} (يوسف:108).
وقد لاقى رسول الله صلى الله عليه وسلم جراء موقفه هذا شدة وبأساً من المشركين، الذين رأوا في دعوته خطراً يهدد ما هم عليه، فتكالبوا ضده لصده عن دعوته، وأعلنوا جهاراً الوقوف في مواجهته، آملين الإجهاز على الحق الذي جاء به { والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (يوسف21).
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه يدعو إلى الله متلطفاً في عرض رسالة الإسلام، وكاشفاً النقاب عن مخازي الوثنية، ومسفهاً أحلام المشركين.فوفق الله تعالى ثلة من قرابته صلى الله عليه وسلم وقومه لقبول الحق والهدى الذي جاء به، وأعرض أكثرهم عن ذلك، ونصبوا له العداوة والبغضاء، فقريش قد بدأت من أول يوم في طريق المحاربة لله ولرسوله، متعصبة لما ألِفته من دين الآباء والأجداد، كما حكى الله تعالى عنهم على سبيل الذم والإنكار فقال: { إنا وجدنَا آباءَنا على أمة وإنا على آثَارهم مهتدون} (الزخرف:22).
وخاتمة القول : إن الجهر بالدعوة كان تنفيذاً لأمر الله تعالى، وقياماً بالواجب، وقد صدع النبي صلى الله عليه وسلم بالحق كما أراد الله، ولاقى مقابل هذا الإعلان ما قد علمنا من عداوة المشركين له وللمؤمنين من حوله، والتنكيل بهم، ولكن كان البيع الرابح مع الله تعالى، والعاقبة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به فملكوا الدنيا ودانت لهم، وهدى الله بهم الناس إلى الصراط المستقيم، وفي الدار الآخرة لهم الحسنى عند الله تعالى.
خليفة خطاب
02-22-2006, 01:46 AM
صبر المؤمنين على أذى المشركين:
حض القرآن الكريم على الصبر والمصابرة، وجعل من الصبر ركيزة أساسية، وعاملا حاسما لإقامة الدين في النفس والأرض، قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} (البقرة:153)، وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} (آل عمران:200)، وقال تعالى عن أنبيائه ورسله مبيناً أعظم ركائز الإمامة والاستخلاف في الأرض { وجعلنا منهم أَئمة يهدون بأَمرنا لما صبروا } (السجدة:24) ولما كان الصبر بهذه المنزلة من الدين ، فقد كان سمة ظاهرة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، خصوصاً في مرحلة الدعوة الأولى - المرحلة المكية - ، فقد أوذي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، بشتى أنواع العذاب المعنوي والمادي، ولكنهم تجاوزوا كل ذلك بعزيمة لا تقهر، وصبر لا يفتر.
لقد واجه المشركون النبيَّ صلى الله عليه وسلم وصحابته بالدعاية المغرضة، فقد سخروا منه ومن رسالته، { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } (الحجر:6)، ورموه بالسحر والكذب { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } (صّ:4)، ونسبوه إلى الكهانة والشعر، واستهزؤوا بأصحابه، فقالوا { أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا } (الأنعام: من الآية53)، وجعلوهم مثارا للغمز والضحك { إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون } ( المطففين:29 ،30)، وسعوا لتشويه حقيقة القرآن، وإثارة الشبهات حوله، فتارة يقولون: { أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا } (الفرقان:5)، وتارة يقولون: { إنما يعلمه بشر } (النحل:103)، ومرة أخرى يحاولون صد الناس عن سماع القرآن والتشويش عليهم فيقولون { لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } (فصلت:26). هذا هو موقفهم من كتاب الله عز وجل .
وأما موقفهم من الإيمان باليوم الآخر فقد بينه الله تعالى في كتابه، حين قال الكافرون { هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد } (سبأ:7-8) بل جرهم كبرهم وكفرهم إلى أن قالوا { إن هي حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين } (الأنعام:29) ويقسمون على إنكار البعث بالأيمان المغلظة { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ( النحل:38) .
أما الأذى المادي، فقد تجرأ المشركون على شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وضايقوه وجعلوا يرمون أمام بيته الأوساخ، بل إن بعضهم وضع على ظهره الشريف أمعاء وأحشاء الإبل وهو ساجد لله بجوار الكعبة.
وبعضهم اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد ضربه، وكان أبولهب من أشد الناس أذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا زوجته أم جميل التي كانت تضع الشوك في طريق الرسول، والقذر على بابه .
أما العصبة المؤمنة ، فقد ذاقت صنوفا من العذاب الشديد ، فمنهم من وضع في الرمضاء تحت شمس مكة المحرقة ، ومنهم من منع الطعام والشراب ، ومنهم من وضع عليه الصخر والحجر، وكان شعاره: أحد - أحد، ومنهم من استشهد تحت وطأة التعذيب، وكانت المحاصرة والمقاطعة في شعب أبي طالب ثلاث سنوات كاملة.
ومنهم من ضرب بالنعال وهو يطوف بالمسجد الحرام، ومنهم من جلد على وجهه، وكان من أشد أنواع الأذى الذي تلقاه أصحاب رسول الله سب المشركين لدين الإسلام وللرسول عليه الصلاة والسلام.
ولم يكتف المشركون بما فعلوه، بل واصلوا حقدهم وكيدهم حتى في وقت الهجرة، فمن الطرق التي سلكتها قريش في صد المؤمنين عن الهجرة التفريق بين الرجل وزوجه وولده،فمن ذاك ما حصل مع أبي سلمة وزوجه، وتعرضوا للمؤمنين المهاجرين، وحاولوا إعادتهم إلى مكة عن طريق الاختطاف، وكان كل من يقع تحت وطأة قريش يحبس عن الهجرة ويجرد عن ماله، وعن دابته.
ومع كل ما سبق، فإن هذا لم يكن ليصد الفئة المؤمنة عن طريق الحق، أو ليضعف من قوتها وعزمها، بل واصلت مسيرتها الدعوية بثبات وجد وصبر واحتساب للأجر، فأفاض الله عليهم الفرج بعد الشدة، وأعزهم وأعلى شأنهم ونصر الدين على أيديهم، وأتم عليهم نعمه العظيمة، وصدق الله إذ يقول: { يا أَيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} (محمد:7)
إسلام عمر وحمزة رضي الله عنهما
إن الأفق المتلبد بالسحب قد يتولد منه برق يضئ, فقد مرت على المسلمين في مكة أيام غلاظ شداد مظلمة اضطرت فيها جماعات من المسلمين أن تفر بدينها إلى أماكن شتى وبطرق مختلفة، وبقي من بقي يكابد العنت والضيق من شطط المشركين وكيدهم، إلا أن عناصر جديدة دخلت الإسلام جعلت قريشاً تتروى في أمرها قبل أن تقدم على إساءاتها المبيَّتة ضد المسلمين.
ومن هؤلاء الذين أسلموا وكان إسلامهم فتحاً ونصراً للإسلام والمسلمين، وحسرة على المشركينحمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وكان رجلاً قوياً ذا عزيمة وشجاعة، وسبب إسلامه هو الغضب والحمية لابن أخيه صلى الله عليه وسلم، وخبر ذلك أن حمزة رضي الله عنه كان قادماً من الصيد فلقيته مولاة لعبد الله بن جدعان وأخبرته أن أبا جهل قد سب ابن أخيه سباً قبيحاً وآذاه، فأسرع حمزة وقد تملَّكه الغضب حتى جاء النادي الذي فيه أبو جهل ، وهو جالس بين قومه فوقف حمزة على رأسه وضربه بالقوس فشج رأسه شجة كبيرة وقال له : أتشتمه وأنا على دينه؟ أي تشتم محمداً وأنا أدين بدينه؟، فكان إسلام حمزة رضي الله عنه في بادئ الأمر حمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنفة أن يهان وهو ابن أخيه ، ثم شرح الله صدره للحق، قال حمزة رضي الله عنه: لما احتملني الغضب وقلت أنا على دينه، أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي وبت من الشك في أمر عظيم لا أكتحل بنوم ، ثم أتيت الكعبة وتضرَّعت إلى الله سبحانه أن يشرح صدري للحق ويذهب عني الريب، فما أتممت دعائي حتى زاح عني الباطل وامتلأ قلبي يقيناً ، فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا لي بأن يثبتني الله، وقال حمزة حين أسلم أبياتاً من الشعر منها:
حمدت الله حين هدى فؤادي إلى الإسلام و الدين الحنيف
لدين جــاء من رب عزيز خبير بالعباد بهـم لطــيف
إذا تليـت رسائله علــينا تحدر دمع ذي اللب الحصيف
رسائل جاء أحمد من هداها بآيات مـبيَّنة الحـروف
وأبلى حمزة رضي الله عنه في الإسلام بلاءً حسناً، ودافع عن الإسلام وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعاً عظيماً إلى أن اصطفاه الله تعالى في الشهداء، وقد شهد له بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( سيد الشهداء حمزة) رواه الطبراني.
وأما الرجل الآخر الذي كان إسلامه كذلك فتحاً ونصراً للمسلمين، وخزياً للمشركين وحسرة عليهم فهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد كان عمر رضي الله عنه من أوائل المحاربين للإسلام والمستهزئين بالمسلمين، وكان معروفاً بحدة الطبع وقوة الشكيمة، وطالما لقي المسلمون منه ألوان الأذى، وصنوف العذاب، قالت زوجة عامر بن ربيعة : " والله إنّا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر في بعض حاجاتنا ، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علىَّ وهو على شركه وكنَّا نلقي منه البلاء أذىً لنا وشدةً علينا، فقال : إنَّه الانطلاق يا أم عبد الله؟ قالت: قلت نعم والله لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا مخرجاً، فقال عمر صحبكم الله ، ورأيت له رقة لم أكن أراها ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا، قالت فجاء عامر بحاجته فقلت يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفاً ورقته وحزنه علينا، قال: أطمعتِ في إسلامه؟ قلت: نعم، قال : والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب "، قال ذلك يأساً منه لِمَا كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام، ولكن قلب المرأة كان أصدق من رأي الرجل، فإن غلظة عمر كانت قشرة خفيفة تكمن وراءها ينابيع من الرقة والعطف والسماحة تفجرت بعد إسلامه .
والظاهر أن عمر كانت تتصارع في نفسه مشاعر متناقضة، وهي تقديسه لتقاليد وعادات الأباء والأجداد، واسترساله مع شهوات السكر واللهو، ثم إعجابه بصلابة المسلمين وثباتهم على عقيدتهم، ثم الشكوك التي تراوده في أن ما يدعو إليه الإسلام أجل و أزكى من غيره.
هذا وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بدعاء كان بركة على عمر وتوفيقاً من الله تعالى له، روى الترمذي في سننه من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم (اللهم اعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب قال وكان أحبهما إليه عمر ) فاستكان عمر رضي الله عنه للحق وأعلن إسلامه، ولما خلُصت نفسه من شوائبها، وتمحَّصت بالإسلام، كان مدداً عظيماً لجند الله، فازداد المسلمون به منعة وقوة ووقعت في نفوس الكافرين حسرة، قال ابن مسعود رصي الله عنه: " إن إسلام عمر كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنَّا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه " ، وروى البخاري عن ابن مسعود كذلك قال: " مازلنا أعزة منذ أسلم عمر".
وهكذا كان إسلام هذين الرجلين العظيمين فتحاً ونصراً للإسلام، ونصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقوة للمسلمين، ورفعاً لمعنوياتهم، والمتأمل يجد فرقاً هائلاً بين طبيعة المواجهة مع الإسلام في سنيِّه الأولى وبينها في السنة التاسعة وما بعدها حيث انضم عمر بعد حمزة إلى ركب الإيمان ، فكانت بحق نقطة تحوّل جوهرية في السيرة النبويّة .
خليفة خطاب
02-22-2006, 01:48 AM
دار الأرقم ودورها في الدعوة :
لقد مرت الدعوة النبوية بمرحلتين أساسيتين: مرحلة الدعوة السرية، وكانت ثلاث سنين بمكة المكرمة، ومرحلة الدعوة الجهرية وهي ما بعد ذلك.
وكانت طبيعة المرحلة الأولى تتطلب سرية العمل الدعوي، ريثما تتهيأ الظروف المناسبة للجهر بها، وكانت دار الأرقم، هي المكان المناسب لمثل هذه الظروف من أيام الدعوة.
كانت هذه الدار - دار الأرقم - على جبل الصفا ، ذلك الجبل المنعزل عما يدور حوله ، فهي إذن بمعزل عن أعين الأعداء والمتربصين، وكانت - فضلاً عن ذلك - للأرقم بن أبى الأرقم بن أسد بن عبد الله المخزومي وكان اسمه عبد مناف ، وهو من السابقين الأولين الذين استجابوا لله والرسول، وباعوا عَرَض الدنيا لأجل الآخرة، وآثروا تحمل الأذى والعذاب على حياة الشرك والكفر، فقد توافرت - لهذه الدار - صفات عدة جعلت منها منطلقاً ومناراً لهذه الدعوة الناشئة.
والذي دعا الرسول صلى الله عليه وسلم لاختيار هذه الدار عدة أسباب، منها :
1- أن صاحب هذه الدار وهو الأرقم لم يكن معروفا بإسلامه، فلم يكن يخطر ببال أحد من المشركين أن يجتمع النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في هذه الدار.
2- أن الأرقم بن أبي الأرقم كان فتى عند إسلامه، ولم تفكر قريش أن هناك تجمع إسلامي عند أحد الفتيان، بل إن نظرها كان يتجه في الغالب إلى بيوت كبار الصحابة.
3-أن هذه الدار كانت قريبة من الكعبة المشرفة .
وفي هذه الدار المباركة، التقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه رضي الله عنهم، وتلقوا عنه تعاليم الإسلام وتوجيهاته الكريمة، حيث كان صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم ما ينزل عليه من القرآن الكريم، ويعلمهم أمور دينهم ويباحثهم في شأن الدعوة، وما وصلت إليه ، وموقف المعرضين عنها والصادين عن سبيلها.
كان يسمع شكوى أصحابه وما يلقونه من أذى المشركين وكيدهم، يتحسس آلامهم وآمالهم، ويطلب منهم الصبر والمصابرة، ويبشرهم أن العاقبة للمتقين، وأن النصر مع المؤمنين ، وأن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
لقد كانت رعاية الله وعنايته بالعصبة المؤمنة واضحة جلية لا تفارقهم بحال، على الرغم مما كان ينالهم من أذى المشركين، وكان من الحكمة البالغة في بداية أمر الدعوة الابتعاد بهذه العصبة المؤمنة عن كل ما يضر بها - قدر المستطاع -، وقد اقتضت حكمة الله سبحانه أن تبقى دعوة الإسلام ضمن مجالها السري إلى أن هيأ الله لها من الأسباب ما مكنها من إشهار أمرها وإعلان رسالتها، { والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (يوسف:21).
هجرة المسلمين الاولى الى الحبشة
لما جاءت رسالة الإسلام وقف المشركون في وجهها وحاربوها، وكانت المواجهة في بداية أمرها محدودة، إلا أنها سرعان ما بدأت تشتد وتتفاقم يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر، حتى ضيَّقت قريش الخناق على المسلمين واضطهدتهم وأرهقتهم، فضاقت عليهم مكة بما رحبت، وصارت الحياة في ظل هذه المواجهة جحيماً لا يطاق، فأخذ المسلمون يبحثون عن مكان آمن يلجؤون إليه، ويتخلصون به من عذاب المشركين واضطهادهم.
في ظل تلك الظروف التي يعاني منها المسلمون، نزلت سورة الكهف، تلك السورة التي أخبرت بقصة الفتية الذين فروا بدينهم من ظلم مَلكِهِم، وأووا إلى كهف يحتمون به مما يراد بهم، كان في هذه القصة تسلية للمؤمنين، وإرشاداً لهم إلى الطريق الذي ينبغي عليهم أن يسلكوه للخروج مما هم فيه. لقد عرضت قصة أصحاب الكهف نموذجاً للإيمان في النفوس المخلصة، كيف تطمئن به، وتؤثره على زينة الحياة الدنيا ومتاعها، وكيف أن الله تعالى يرعى هذه النفوس المؤمنة ويقيها الفتنة، ويشملها برحمته ورعايته { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا} (الكهف:16).
لقد وضَّحت هذه القصة للمؤمنين طريق الحق والباطل، وبيَّنت أنه لا سبيل للالتقاء بينهما بحال من الأحوال، وإنما هي المفاصلة والفرار بالدين والعقيدة، وانطلاقاً من هذه الرؤية القرآنية أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين المستضعفين بالهجرة إلى الحبشة، وقد وصفت أم المؤمنين أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحدث فقالت: ( لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء، والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله عليه وسلم إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه، فخرجنا إليها أرسالاً - أي جماعات - حتى اجتمعنا بها ، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمِنَّا على ديننا ولم نخش منه ظلماً ) رواه البيهقي بسند حسن .
قال الله تعالى { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } ( النحل:41) قال قتادة – رحمه الله - " المراد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله تعالى دار الهجرة، وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين " .
وكان الذي دعى الصحابة لتلك الهجرة عدة أساب، منها شدة العذاب الذي لاقاه الصحابة من المشركين، حيث استخدم المشركون شتى أنواع العذاب لكي يفتنوا الصحابة عن دينهم، وكان نشر الدعوة خارج مكة المكرمة، وتكوين قاعدة تحمي العقيدة سبباً رئيساً آخر لتلك الهجرة.
وهكذا هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة في السنة الخامسة للبعثة، وكان هذا الفوج مكوناً من اثني عشر رجلاً و أربع نسوة، كان في مقدمتهم عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رحيلهم تسللاً تحت جنح الظلام حتى لا تشعر بهم قريش، فخرجوا إلى البحر عن طريق جدة، فوجدوا سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم إلى الحبشة، ولما علمت قريش بخبرهم خرجت في إثرهم، وما وصلت إلى الشاطئ إلا وكانوا قد غادروه في طريقهم إلى الحبشة، حيث وجدوا الأمن والأمان، ولقوا الحفاوة والإكرام من ملكها النجاشي الذي كان لا يظلم عنده أحد، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم .
ومما يستفاد من أحداث الهجرة إلى الحبشة :
1- الصبر على الشدّة والبلاء في سبيل الله فلقد لاقى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة المكرمة، من الشدّة والأذى ما يصعب على غيرهم احتمالُه.
2- ثبات المؤمنين على عقيدتهم ودينهم الحنيف، دون الخضوع لضغوط الأعداء.
3- شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ورحمته بهم، حيث أشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة.
وهكذا هيأ الله لعباده المؤمنين المستضعفين المأوى والحماية من أذى قريش وأمَّنهم على دينهم وأنفسهم ، وكان في هذه الهجرة خير للمسلمين، إذ استطاعوا -فضلاً عن حفظ دينهم وأنفسهم - أن ينشروا دعوتهم، ويكسبوا أرضاً جديدة تكون منطلقاً لتلك الدعوة، ومن كان مع الله كان الله معه..
هجرة المسلمين الثانية إلى الحبشة :
ذكرنا سابقا أن هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة كانت خيراً للمسلمين وفتحاً جديداً للإسلام، استطاع المسلمون فيها أن يكسبوا أرضاً جديدة تكون منطلقاً لدعوتهم، واستطاعوا أن يقيموا شعائر دينهم بأمان. غير أن هذه الهجرة لم تدم طويلاً، حيث رجع المسلمون من أرض هجرتهم إلى مكة بعد أن بلغهم أن قريشاً هادنت الإسلام وتركت أهله أحراراً، إلا انهم بعد وصولهم إلى مكة وجدوا الأمر على خلاف ما ظنوه، فاضطروا إلى الهجرة مرة ثانية.فما خبر هذه الهجرة ؟ هذا ما سوف نعرفه في الأسطر التالية.
إن الإشاعة التي بلغت المؤمنين في أرض الهجرة تركت أثرها في قلوبهم ، فقرروا العودة إلى وطنهم، وكان سبب هذه الإشاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحرم وفيه جمع كبير من قريش، فقام فيهم وأخذ يتلو سورة النجم، ولم يكن المشركون قد سمعوا القرآن سماع منصت من قبل, لأن أسلوبهم المتواصل كان هو العمل بما تواصى به بعضهم بعضاً { لاتسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } (فصلت:26) .
فلما فاجأهم النبي صلى الله عليه وسلم بتلاوة هذه السورة، وقرع آذنهم القرآن في روعة بيانه ، وجلالة معانيه، أعطوه سمعهم، فلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { فاسجدوا لله واعبدوا } سجد، فلم يتمالك المشركون أنفسهم فسجدوا .
وفي الحقيقة كانت روعة الحق قد صدَّعت العناد والكِبْر الذي في نفوسهم، فخروا ساجدين، فبلغ هذا الخبر مهاجري الحبشة، ولكن في صورة تختلف تماماً عن صورته الحقيقية، حيث بلغهم أن قريشاً أسلمت، فرجعوا إلى مكة آملين أن يعيشوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قومهم وأهليهم آمنين، فلما وصلوا قريباً من مكة عرفوا حقيقة الأمر، وأن ما وصلهم من الأخبار غير صحيح ، بل إن قريشاً أشد وأنكى على المسلمين من ذي قبل، فرجع من رجع منهم ، ومن دخل مكة دخلها مستخفياً، أو في جوار رجل من المشركين، ثم زاد المشركون في تعذيب هؤلاء العائدين وسائر المسلمين، ولم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم بداً من أن يشير على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرة أخرى ، فهي المنفذ الوحيد والمخرج بعد الله تعالى - من بلاء قريش - لما يتميز به ملِكُها النجاشي من عدل ورحمة وحسن ضيافة، وقد وجده المسلمون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لايظلم عنده أحد) .
فقرر المسلمون الهجرة مرة ثانية، ولكن الهجرة في هذه المرة كانت أشق وأصعب من سابقتها، حيث تيقظت قريش لها، وقررت إحباطها ، لكن المسلمين كانوا قد أحسنوا التخطيط والتدبير لها ويسَّر الله لهم السفر ، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن تدركهم قريش، وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلاً ، وثماني عشرة امرأة .
وكما كان في الهجرة الأولى خير للإسلام والمسلمين ففي هذه الهجرة كان الخير أكثر وأكثر، فازداد عددهم وانتشر خبرهم، وكانت أرض الحبشة التي أمِنوا فيها على أنفسهم ودينهم منطلقاً للدعوة الإسلامية وملاذاً لكل مضطهد وطريد من المسلمين، والله يؤيد دينه وعباده المؤمنين بما شاء من جنوده التي لا يعلمها إلا هو ، فله الحمد في الأولى والآخرة .
خليفة خطاب
02-22-2006, 01:56 AM
نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في نهار يوم الاثنين من شهر رمضان وعمره أربعون سنة ، وذلك في غار حراء بجبل حراء بمكة المكرمة ثم انقطع الوحي مدة طويلة وبعدها عاوده الوحي فنزلت { يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر } ( المدثر 5:1). ثم فتر الوحي ثانية ليلتين أو ثلاثا حتى قال المشركون : قد ودع محمد ربه فنزلت: { والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى } ( الضحى 3:1).
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقي من نزول الوحي عليه شدة ، فكان جبينه يتفصد عرقا ، وكان جسمه يثقل ، وكان يتعجل في تلقي القرآن ويركز ذهنه بشدة خوف أن ينساه ، لكن الله تعالى بين له أنه يتكفل له بحفظه تخفيفا عنه.
وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول الوحي بعد الفترة الأولى أنه مكلف بحمل رسالة إلهية ، ويجب أن يقوم بتبليغها، فمضى يدعو أصدقائه وأهل بيته أولا ، ثم وسع نطاق المدعوين ، وكانت الدعوة في هذه الفترة سرية ، لئلا يفطن لها المشركون ، ويشتدوا في رصدها والقضاء عليها.
وقد استغرقت مرحلة الدعوة السرية ثلاث سنوات أسلم خلالها إضافة إلى خديجة أم المؤمنين عدد من أصدقائه وهم : أبو بكر الصديق ، وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب ـ ابن عمه ـ وزيد بن حارثة ـ مولاه ـ وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وخالد بن سعيد بن العاص وآخرون من الأحرار والعبيد مثل عمار بن ياسر وبلال الحبشي وصهيب الرومي ، وكان عدد المسلمين يزاد مع الأيام ، ولم يلقوا أذى من قريش في هذه المرحلة لأنها سرية ، ولأن قريش لم تتبين بعد خطورة الدعوة الإسلامية على عقائدها ومصالحها . لكن الدعوة تحولت إلى العلانية فبدأت مواقف قريش تسفر عن العداوة والمقاومة.
وقد أمر الله تعالى رسوله بإعلان الدعوة وإنذار عشيرته فقال تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين } ( الشعراء 214) فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف: ( يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش ، فقال : " لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي ؟ " قالوا : ما جربنا عليك كذبا قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال عمه أبو لهب : تبا لك ، أما جمعتنا إلا لهذا ! ؟ ثم قام ، فنزلت سورة المسد ترد عليه تبت يدا أبي لهب وتب ) رواه البخاري .
وجاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسفيه عقائد المشركين وتوضيح عقيدة التوحيد ، وتجهمت له قريش وبدأت بدعاية كاذبة ضده فمرة تتهمه بالجنون وآخرى بالسحر وثالثة بأنه شاعر .
وأخذ المشركون يسبون مذمماً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم ، يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد ) رواه البخاري .
وقد قام سفهاء قريش برمي فرث الجزور ودمها عليه وهو ساجد يصلي، وهم يتضاحكون، فعلمت فاطمة فجاءت تنفض عنه ذلك، ودعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب تكذيبهم إياه واستعصائهم على الإيمان، وليس بسبب إيذائهم له، فطالما احتمل آذاهم ودعا لهم بالهداية.
وكان المشركون يسبون القرآن إذا سمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم يجهر به وكان يحرص على الصلاة في المسجد الحرام ليظهر شعائر الإسلام واحترام الكعبة وتعريف الناس بدينه، وقد أمره الله تعالى بعدم رفع الصوت بالقرآن تجنبا لسب المشركين .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي مرة بفناء الكعبة، إذا أقبل عقبة بن أبي معيط ، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم " رواه البخاري .
وقد ختم المشركون أذاهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمحاولة قتله في أواخر المرحلة المكية مما كان سبباً مباشراً للهجرة إلى المدينة . هذا عن أذى المشركين للرسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما أذاهم لأتباعه المؤمنين ، فقد انصبت على المستضعفين منهم أنواع العذاب ، حيث " ألبسوهم أدراع الحديد ، و صهروهم في الشمس " وكان بلال يصمد لأذاهم حتى طاف به الولدان في شعاب مكة وهو يقول : أحد أحد ... وممن عذب في الله : عامر بن فهيرة وبلال ونذيرة وأم عبيس والنهدية وأختها ، وجارية بني عمرو بن مؤمل.
وقد اشترى أبو بكر رضي الله عنه الرقيق المؤمنين من قريش وأعتقهم ليمنع عنهم العذاب ، فقال له أبوه قحافة: لو أنك أعتقت رجالا جلدين يمنعونك ؟ فبين له أنه إنما يريد الله لا المنعة رواه الحاكم في المستدرك بإسناد حسن .
وقد وردت روايات كثيرة في ألوان العذاب التي لقيها عمار بن ياسر وأهله ، وممن ناله الأذى في سبيل الله خباب بن الأرت حتى سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله يخفف عن المستضعفين .
وقد أمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر والاحتساب ، وضبط النفس ، وعدم مقارعة القوة بالقوة، والعدوان بالعدوان ، حرصا على حياتهم ، ونظرا لمستقبل الدعوة لئلا يئدها الشر وهي لا تزال غضة طرية ، ولعل المشركين كانوا يحرصون على مواجهة حاسمة مع الدعوة تنهي أمرها ، ولكن الحكمة الإسلامية فوتت عليهم ذلك الهدف .
وكان الرسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على عينه ، ويوجههم نحو توثيق الصلة بالله والتقرب إليه بالعبادة ، فكانوا يقومون شطر الليل للصلاة قريبا من سنة ورمت أقدامهم وضعفت أجسادهم ، فخفف الله عنهم بعد أن علم اجتهادهم في طلب مرضاته ، وبعد أن نجحوا في امتحانهم بهجر الفرش والنوم لتربيتهم على المجاهدة ، وقد ظهر أثر هذا الإعداد الدقيق للمسلمين الأوائل في قدرتهم على تحمل أعباء الجهاد وإنشاء الدولة الإسلامية في المدينة .
وقد حاولت قريش أن تقنع أبا طالب عم الرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليكفه عن الدعوة ، و لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أوضح لهم اعتزامه المضي في الدعوة ، وإنه لا يمتلك حق التوقف عن التبليغ لأن الله أمره به ، فانصرفوا خائبين
وكان المسلمون في العهد المكي يتعرضون لضغوط كثيرة من قبل المشركين ، بعضها نفسي كالسخرية والتكذيب والسب ، وبعضها بدني كالضرب والتعريض للشمس المتوهجة في رمال الصحراء الملتهبة ، وبعضها اقتصادي كالامتناع عن مخالطتهم وتنفير الناس منهم .
وكان القرآن ينزل لتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، بتعميق المعاني الإيمانية ، وغرس الصبر في نفوسهم ، وتربيتهم على الأخلاق الفاضلة ، وانتزاع شوائب الجاهلية وبقاياها من سلوكهم وعاداتهم ، وأمرهم بالاستعانة بالصلاة وتوثيق الصلة بالله تعالى ليزاد إيمانهم ويقووا على مواجهة أعدائهم .
ولما هاجروا إلى الحبشة وبعدوا عن أوطانهم وعدهم الله تعالى المثوبة . وقد وعد الله المؤمنين الصابرين بالنصر في الدنيا والأجر في والآخرة .
ووضح القرآن أهمية الالتزام بالحكمة وحسن المخاطبة ، والعدل في معاملة الآخرين . وتدل الصفات التي وصف الله تعالى بها المسلمين في السور المكية على سموهم الخلقي وإيمانهم العميق .
وخلاصة الأمر: فإن الحرب على دعوة الإسلام قائمة ومستمرة، ولكن الله ناصر دينه وأوليائه، ومنتقم من أعدائه، فله الحكمة البالغة وهو علي كل شئ قدير
خليفة خطاب
02-22-2006, 01:58 AM
المقاطعة الاقتصادية
من سنن الله الكونية الصراع بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، ولا يزال الأمر كذلك أينما وجد الحق أو كان له أتباع، فالحق مُمْتَحن، ولكنه منصور ولو بعد حين، { يريدون ليطفئوا نور الله بأَفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون} (الصف:8).
وأقرب مثال لبيان حقيقة ما سبق موقف المشركين من النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، حيث لم يتركوا وسيلة لحربه إلا سلكوها، ولا سبيل إيذاء إلا اتبعوه، ولما رأت قريش أن عدد الداخلين في الإسلام قد ازداد، وأن شوكة الإسلام قد قويت بعد إسلام عمر وحمزة، بدأت في التفكير في أسلوب جديد وطريقة أخرى للقضاء على هذه العصبة المؤمنة.
فمن طرق الحرب التي سلكها المشركون ضد المسلمين، الحصار الاقتصادي، فقد تمخض حقد المشركين عن عقد معاهدة تعتبرُ المسلمين ومن يرضى بدينهم، أو يعطف عليهم، أو يحمى أحداً منهم، حزباً واحداً دون سائر الناس، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهد وميثاق " أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحاً أبداً، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسل
No. of Votes: 3016 Avg. Rating: 8.81Ranked
Meter Started: Apr 16, 2007
ببر الوالدين
اهتم الإسلام ببر الوالدين والإحسان إليهما والعناية بهما، وهو بذلك يسبق النظم المستحدثة في الغرب مثل: ( رعاية الشيخوخة، ورعاية الأمومة والمسنين ) حيث جاء بأوامر صريحة تلزم المؤمن ببر والديه وطاعتهما قال تعالى موصيا عباده: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً [الأحقاف:15]، وقرن برهما بالأمر بعبادته في كثير من الآيات؛ برهان ذلك قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23]، وقوله تعالى: وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [النساء:36]، وجاء ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد توحيده عز وجل لبيان قدرهما وعظم حقهما ووجوب برهما. قال القرطبي رحمه الله في قوله تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الأنعام:151]، أي: ( برهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أوامرهما ).
أنواع البر:
أنواع بر الوالدين كثيرة بحسب الحال وحسب الحاجة ومنها:
1 - فعل الخير واتمام الصلة وحسن الصحبة، وهو في حق الوالدين من أوجب الواجبات. وقد جاء الإحسان في الآيات السابقة بصيغة التنكير مما يدل على أنه عام يشمل الإحسان في القول والعمل والأخذ والعطاء والأمر والنهي، وهو عام مطلق يدخل تحته ما يرضي الإبن وما لا يرضيه إلا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
2 - لا ينبغي للإبن أن يتضجر منهما ولو بكلمة أف بل يجب الخضوع لأمرهما، وخفض الجناح لهما، ومعاملتها باللطف والتوقير وعدم الترفع عليهما.
3 - عدم رفع الصوت عليهما أو مقاطعتهما في الكلام، وعدم مجادلتهما والكذب عليهما، وعدم إزعاجهما إذا كانا نائمين، وإشعارهما بالذل لهما، وتقديمهما في الكلام والمشي إحتراماً لهما وإجلالاً لقدرهما.
4 - شكرهما الذي جاء مقروناً بشكر الله والدعاء لهما لقوله تعالى: وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء:24]. وأن يؤثرهما على رضا نفسه وزوجته وأولاده.
5 - اختصاص الأم بمزيد من البر لحاجتها وضعفها وسهرها وتعبها في الحمل والولادة والرضاعة. والبر يكون بمعنى حسن الصحبة والعشرة وبمعنى الطاعة والصلة لقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14]، ولحديث: { إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات } [متفق عليه] الحديث.
6 - الإحسان إليهما وتقديم أمرهما وطلبهما، ومجاهدة النفس برضاهما حتى وإن كانا غير مسلمين لقوله تعالى: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15].
7 - رعايتهما وخاصة عند الكبر وملاطفتهما وإدخال السرور عليهما وحفظهما من كل سوء. وأن يقدم لهما كل ما يرغبان فيه ويحتاجان إليه.
8 - الإنفاق عليهما عند الحاجة، قال تعالى: قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [البقرة:215]، وتعتبر الخالة بمنزلة الأم لحديث: { الخالة بمنزلة الأم } [رواه الترمذي وقال حديث صحيح].
9 - استئذانهما قبل السفر وأخذ موافقتهما إلا في حج فرض قال القرطبي رحمه الله: ( من الإحسان إليهما والبر بهما إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد إلا بإذنهما).
10 - الدعاء لهما بعد موتهما وبر صديقهما وإنفاذ وصيتهما.
فضل بر الوالدين:
دلت نصوص شرعية على فضل بر الوالدين وكونه مفتاح الخير منها:
1 - أنه سبب لدخول الجنة: فعن أبي هريرة عن النبي قال: { رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه }، قيل: من يا رسول الله؟ قال: { من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة } [رواه مسلم والترمذي].
2 - كونه من أحب الأعمال إلى الله: عن أبي عبدالرحن عبدالله بن مسعود قال: سألت النبي أي العمل أحب إلى الله؟ قال: { الصلاة على وقتها }. قلت: ثم أي؟ قال: { بر الوالدين }. قلت: ثم أي؟ قال: { الجهاد في سبيل الله } [متفق عليه].
3 - إن بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله عز وجل: عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: ( أقبل رجل إلى النبي فقال أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، فقال : { هل من والديك أحد حي؟ } قال: نعم بل كلاهما. قال: { فتبتغي الأجر من الله تعالى؟ } قال: نعم. قال: { فارجع فأحسن صحبتهما } ) [متفق عليه] وهذا لفظ مسلم وفي رواية لهما: { جاء رجل فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد }.
4 - رضا الرب في رضا الوالدين: عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي قال: { رضا الرب في رضا الوالدين، وسخط الرب في سخط الوالدين } [رواه الترمذي وصححه إبن حبان والحاكم].
5 - في البر منجاة من مصائب الدنيا بل هو سبب تفريج الكروب وذهاب الهم والحزن كما ورد في شأن نجاة أصحاب الغار، وكان أحدهم باراً بوالديه يقدمهما على زوجته وأولاده.
البر بعد الموت:
وبر الوالدين لا يقتصر على فترة حياتهما بل يمتد إلى ما بعد مماتهما ويتسع ليشمل ذوي الأرحام وأصدقاء الوالدين؛ { جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله. هل بقي من بر أبواي شيء أبرهما بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما } [رواه أبو داود والبيهقي].
ويمكن الحصول على البر بعد الموت بالدعاء لهما. قال الإمام أحمد: ( من دعا لهما في التحيات في الصلوات الخمس فقد برهما. ومن الأفضل: أن يتصدق الصدقة ويحتسب نصف أجرها لوالديه ).
أحكام شرعية خاصة بالوالدين:
لا حد على الوالدين في قصاص أو قطع أو قذف. وللأب أن يأخذ من مال ولده إذا احتاج بشرط أن لا يجحف به، ولا يأخذ شيئاً تعلقت به حاجته. ولا يأخذ من مال ولده فيعطيه الولد الآخر [المغني:6/522]، وإذا تعارض حق الأب وحق الأم فحق الأم مقدم لحديث: { أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك } [رواه الشيخان]، والمرأة إذا تزوجت فحق زوجها مقدم على حق والديها.
وقال في المقنع: ( وليس للإبن مطالبة أبيه بدين، ولا قيمة متلف، ولا أرش جناية ) قلت: وعلى الوالدين أن لا ينسيا دورهما في إعانة الولد على برهما، وذلك بالرفق به، والإحسان إليه، والتسوية بين الأولاد في المعاملة والعطاء. والله أعلم.
ومن بِرّ الوالدين أن يَبر من كان أبوه يحبه بعد وفاة أبيه بالزيارة والإحسان، كذلك من كان تحبّه أمّه بعد وفاتها أن يصلهم ويُحسن إليهم ويزورهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أبَرِّ البِرِ أن يَبَرّ الرجل أهل وِدِّ أبيه بعد أن يُوَلّي" أي بعد أن يَموت .
ومن بِرِّ الوالدين زيارتهما بعد موتهما .
ومن أراد أن يكون بارًّا بوالديه فعليه أن يطيعهما في أغلب المباحات أو كلِّها.
قال أهل العلم: "من حيث المشروعية يطيع الولد والديه في المباح والمكروه" لكن لا يجب طاعتهما في كلِّ مباح بل يجب أن يطيعهما في كلِّ ما في تركه يحصل لهما غَم بسببه وإلا لا يكون واجبًا، فإذا طلب أحد الوالدين من الولد أن لا يسافر وكان سفره بلا ضرورة وجب عليه ترك ذلك السفر إذا كانا يغتمان بسفره. وإذا أراد الأب منع ولده من الخروج من البيت بدون إذنه فإن كان خروجه يُسبِّب للأب غما شديدًا بحيث يحصل له انهيار أو شبه ذلك عندئذٍ لا يجوز له الخروج بدون إذنه بل يكون خروجه من الكبائر، فدرجة المعصية في ذلك على حسب الإيذاء الذي يحصل للوالد.
وإذا طلب الأب او الأمّ من ابنه شيئا مباحًا كغسل الصحون أو ترتيب الغرفة أو تسخين الطعام أو عمل الشاي أو ما أشبه ذلك ولم يفعل فإن كان يغتمّ قلب الوالد أو الوالدة إن لم يفعل حرام عليه أن لا يفعل .
قال الله تعالى: {وقضى ربّك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا . إمّا يبلغنّ عندك الكِبر احدهما أو كلاهما فلا تقلْ لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريمًا واخفض لهما جناح الذلِّ من الرحمة وقل ربِّ ارحمهما كما ربّياني صغيرًا} (سورة الإسراء 23-24) .
أمر الله عباده أمرًا مقطوعًا به بأن لا يعبدوا إلا إياه وأمر بالإحسان للوالدين، والإحسان هو البِرّ والإكرام. قال ابن عباس: "لا تنفض ثوبك فيصيبهما الغبار". وقال عُروة: "لا تمتنع عن شىء أحبّاه" .
وقد نهى الله تعالى عباده في هذه الآية عن قول "أفٍّ" للوالدين وهو صوت يدل على التضجّر، وأصلها نَفْخُك الشىء الذي يَسقط عليك من تراب ورماد، وللمكان تريد إماطة الأذى عنه فقيلت لكل مستثقل .
"ولا تنهرهما" ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يُعجبك، والنهي والنهر أخوان.
"وقل لهما قولاً كريمًا" أي ليِنا لطيفًا أحسن ما تجد كما يقتضيه حُسن الأدب.
"واخفض لهما جناج الذلِّ من الرحمة" أي أَلِن لهما جانبك متذلِّلاً لهما من فرط رحمتك إياهما وعطفك عليهما ولِكَبرِهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس . وخفض الجناح عبارة عن السكون وترك التصَعّب والإباء، أي ارفق بهما ولا تغلظ عليهما.
"وقل ربِّ ارحمهما كما ربّياني صغيرًا" أي مثل رحمتهما إياي في صغري حتى ربياني، أي ولا تكتفِ برحمتك عليهما التي لا بقاء لها أو هو أن يقول: يا أبتاه يا أمّاه ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوء الأدب معهما.
وفائدة "عندك" أنهما إذا صارا كَلاًّ على ولدهما ولا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكَنَفه وذلك أشقّ عليه، فهو مأمور بأن يستعمل معهما لين الخلق حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما "أف" فضلاً عما يزيد عليه، ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ثم ضيّق الأمر في مراعاتهما حتى لم يُرخِّص في أدنى كلمة تنْفلت من المتضجّر مع موجبات الضجر ومع أحوالٍ لا يكاد يصبر الإنسان معهما.
وادعُ الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك، والدعاء مختص بالأبوين المسلمين.
وروى الحاكم والطبراني والبيهقي في شُعَبِهِ مرفوعًا "رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما" .
وعن بَهز بن حكيم عن أبيه عن جَدِّه رضي الله عنهم قال: "قلت يا رسول الله من أبرّ ؟ قال أمك ، قلت ثُم من ؟ قال: أمّك، قلت ثُم من ؟ قال: أمك، قلت: ثُم من ؟ قال: أباك، ثُم الأقربَ فالأقرب" أخرجه أبو داود والترمذي وحسّنه.
فيُفهم من هذا الحديث تقديم الأمِّ على الأب في البِرِّ فلو طلبت الأمّ من ولدها شيئًا وطلب الأب خلافه وكان بحيث لو أطاع أحدهما يغضب الآخر يقدِّم الأمّ على الأب في هذه الحالة.
وإنَما حضّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه هذا على برّ الأمّ ثلاثًا وعلى برّ الأب مرّة لعنائها وشفقتها مع ما تقاسيه من حمل وطلق وولادة ورضاعة وسهر ليل. وقد رأى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رجلاً يحمل أمّه على ظهرة وهو يطوف بها حول الكعبة فقال: "يا ابن عمر أتراني وفّيتهما حقّها، قال: ولا بطلقة واحدة من طلقاتها، ولكن قد أحسنت والله يثيبك على القليل كثيرًا" .
وقد قال بعض العلماء بوجوب الاستغفار للأبوين المسلمين في العمر مرة، ثم الزيادة على ذلك قربة عظيمة، وليس شرطًا أن يكون هذا الاستغفار بعد وفاتهما.
فالولد إن استغفر لوالديه بعد موتهما ينتفع والداه بهذا الاستغفار حتى إنهما يلحقهما ثواب كبير فيعجبان من أي شىء جاءهما هذا الثواب فيقول لهما الملك هذا من استغفار ولدكما لكما بعدكما.
وقد صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاثة لا يدخلون الجنة العاقّ لوالديه والديوث ورَجُلَةُ النساء" رواه ابن حبان. أي لا يدخل هؤلاء الثلاثة الجنة مع الأوّلين إن لم يتوبوا وأما لو تابوا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" رواه ابن ماجه.
والديّوث: هو الذي يعرف الزنى في أهله ويسكت عليه مع مقدرته على منعهم.
ورجلة النساء : هي التي تتشبّه بالرجال .
وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من الكبائر شتم الرجل والديه، قيل وهل يَسُبّ الرجل والديه ؟ قال : نعم يسبّ أبا الرجل فيسب الرجل أباه ويسب أمه فيسب أمه" .
وروى الحاكم بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل الذنوب يؤخِّر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجّل لصاحبه" يعني العقوبة في الدنيا قبل يوم القيامة .
وقال عليه الصلاة والسلام: "ثلاث دعواتٍ مستجاباتٌ لا شكّ فيهنّ دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد على ولده" رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد.
وهذا معناه إن دعا عليه بحقّ أما إن دعا عليه بغير حقّ فلا يضرّه ذلك.
فمن أراد النجاح والفلاح فليبَرّ أبويه فإن من برّ أبويه تكون عاقبته حميدةً فبرّ الوالدين بركة في الدنيا والآخرة.
والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم
الجبال أوتاد
آيات الإعجاز:
قال الله عز وجل: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} [النبأ: 6-7].
التفسير اللغوي:
قال ابن منظور في لسان العرب:
وتد: وتَدَ الوتِدُ وتْداً، وتِدَةً، ووتَّد، كلاهما: ثبَّت، والجمع أوتاد.
تميد: ماد الشي يميد ميداً، إذا تحرك ومال، وفي الحديث: "لمّا خلق الله الأرض جعلت تميدُ فأرساها بالجبال".
فهم المفسرين:
قال الإمام الرازي في تفسيره لقوله تعالى: "والجبال أوتاداً": أي أوتاداً للأرض كي لا تميد بأهلها، فيكمل كون الأرض مهاداً بسبب ذلك".
وقال القرطبي في تفسيره للآية أيضاً: "أوتاداً: أي لتسكُنَ ولا تتكفأ ولا تميل بأهلها".
وقال القرطبي أيضاً في تفسير قوله تعالى: "وألقينا فيها رواسي" أي: جبالاً ثابتة لئلا تتحرك (الأرض) بأهلها".
مقدمة تاريخية:
لقد تعرّف الإنسان على الجبال منذ القديم على أنها كتل صخرية عالية الارتفاع عن سطح الأرض، واستمر هذا التعريف للجبال إلى أن أشار "بيير بوجر" عام 1835م إلى أن قوى الجذب المسجلة لسلاسل جبال الإنديز أقل بكثير مما هو متوقع من كتلة صخرية هائلة بهذا الحجم، فاقترح ضرورة وجود كتلة أكبر من نفس مادة تلك الجبال حتى يكتمل تفسير الشذوذ في مقدار الجاذبية.
وفي أواسط القرن التاسع عشر أشار "جورج إيفرست" إلى وجود شذوذ في نتائج قياس المسافة بين محطّتي "كاليانا" و"كاليان بور" يقدر بـ: 153 متراً، ولم يستطع "إيفرست" تفسير الظاهرة فسمّاها "لغز الهند".
واقترح "جون هنري برات" أن يكون السبب ناشئاً عن سوء تقدير لكتلة جبال الهمالايا، كما وضع "جورج إبري" سنة 1865 فرضية تنص على أن جميع سلاسل الجبال الهائلة الارتفاع هي عبارة عن كتل عائمة في بئر من المواد المنصهرة التي تقع أسفل القشرة الأرضية، وأن هذه المواد المنصهرة أكثر كثافة من مادة الجبال والتي يفترض فيها أن تغوص في تلك المواد المنصهرة العالية الكثافة كي تحافظ على انتصابها على السطح.
وفي سنة 1889 طرح الجيولوجي الأمريكي "داتون" نظرية سماها "نظرية التوازن الهيدروستاتي للأرض" ومثّلها عملياً بمجموعة من المكعبات الخشبية المتفاوتة الأطوال وذلك بجعلها تعوم في حوض مليء بالماء، حيث وجد أن هذه المكعبات تغوص في الماء وأن مقدار هذا الغوص يتناسب طرداً مع ارتفاع وعلو تلك المكعبات وهذا ما يسمى الآن "حالة التوازن الهيدروستاتي".
وفي عام 1969 طرح عالم الجيولوجيا الفيزيائية الأمريكي "مورجان" (Morgan) نظرية بنائية الألواح (الصفائح) والتي تقول بأن القشرة الأرضية ليست جسماً مصمتاً متصلاً بل إنها عبارة عن ألواح (أو صفائح) تفصل بينها حدود، وأنها تتحرك إما متقاربة أو متباعدة، وأن الجبال عبارة عن أوتاد تحافظ على اتزان هذه الألواح (الصفائح) أثناء حركتها.
حقائق علمية:
- الجبل يشبه الوتد شكلاً إذ إن قسماً منه يغرق في طبقة القشرة الأرضية.
- الجبل يشبه الوتد من حيث الدور والوظيفة إذ إنه يعمل على تثبيت القشرة الأرضية ويمنعها من الاضطراب والميلان.
- كشف الجيولوجيون أن طبقة القشرة الأرضية (السيال) هي التي تشكل القارات وتحتضن المحيطات.
- في سنة 1889 وضع الجيولوجي الأمريكي "داتون" "Dutton" نظرية التوازن الهيدروستاتي للأرض.
- في عام 1969 تم الكشف على أن القشرة الأرضية عبارة عن ألواح أرضية تفصل بينها حدود وأن الجبال عبارة عن أوتاد تحافظ على توازن تلك الألواح الأرضية أثناء حركتها.
التفسير العلمي:
قال الله تعالى في كتابه العزيز: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} [النبأ: 6-7].
من الآية السالفة الذكر يتضح لنا معنيان؛ الأول: أن الجبال تشبه الأوتاد شكلاً؛ إذ إن قسماً من مادة الجبال يغرق في طبقة القشرة الأرضية. والثاني: أن الجبال تشبه الأوتاد دوراً؛ أي أنها تعمل على تثبيت القشرة الأرضية وتمنعها من أن تميد وتضطرب!!.
أما المعنى الأول: فقد اكتشف علم الجيولوجيا الحديث أن طبقة القشرة الأرضية (السيال) التي نعيش عليها هي التي تشكل القارات وتحتضن المحيطات، وترتفع جبالاً في مكان وتنخفض ودياناً في مكان آخر وتلي هذه الطبقة - مباشرة - طبقة السيما وهي أكثف من طبقة السيال؛ ولكن تحت ثقل هذه الأخيرة يصبح لها قوام عجيني الأمر الذي يسهل انزلاق القارات عليها؛ فالقارات جميعها تنزلق بسرعة ملحوظة وباتجاهات متعددة، حسب القياسات الحديثة بالأقمار الاصطناعية.
جاء في كتاب "الأرض" (Earth, Frank Press, 3rd ed., P. 435, 1982) إن الجبال الضخمة لا ترتكز على قشرة صلبة، وإنما هي تطفو على بحر من الصخور الأكثر كثافة، وبمعنى آخر: "إن للجبال جذوراً أقل كثافة من طبقة السيما تساعد هذه الجبال على العوم".
ويقول العالم Van Anglin C.R. في كتابه "Geomorphology" الصادر في عام 1948 (ص:27): "من المفهوم الآن أنه من الضروري وجود جذر في السيما مقابل كل جبل فوق سطح الأرض".
ولنفهم هذا التوازن نأخذ مثلاً الجليد: فالجليد أقل كثافة ( Density ) من الماء، كما أن السيال أقل كثافة من السيما، فإن علا جبل الجليد فوق الماء فلا بد من امتداد له تحت الماء يدفعه ويساعده على العوم. كذلك الجبال الصخرية؛ فهي تشكل - من حيث تكوينها - جزءاً بارزاً فوق سطح الأرض وجذراً غارقاً في السيما، وقد أثبت ذلك علمياً بواسطة قياسات الجاذبية في مختلف تضاريس الأرض.
فقد جاء في كتاب الأرض " أن الجهاز المعروف بـ "ميزان البناء" (Plumb Bob) يظهر انحرافاً عند المستقيم العامودي نسبة لسطح الأرض بسبب جاذبية الكتل الجبلية.
وفي صفحة 435 من الكتاب نفسه: إن ميزان البناء يتحسس الكثافة العالية للجزء الظاهر من الجبل كما يتحسس الكثافة القليلة للجذر. وظهر ذلك عند قياس مقدار الانحراف بدقة.
لقد اتضح من خلال ما تقدم أنه من الثابت علمياً أن للجبال شكل أوتاد، كما هو مذكور في القرآن العظيم المنزل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم منذ ما يزيد على 1400 سنة.
هذا بالنسبة للمعنى الأول، أما المعنى الثاني: وهو دور الجبال في تثبيت القشرة الأرضية.
فقد أكدته "نظرية التوازن الهيدروستاتي للأرضي" للجيولوجي الأمريكي "داتون" "Dutton" سنة 1889 والتي تنص على أن المرتفعات تغوص في الماء بمقدار يتناسب طرداً مع ارتفاعها وعلوّها، كما جاءت نظرية "بنائية الألواح الأرضية" التي طرحت عام 1969 لتبيّن أن الجبال تقوم بحفظ توازن القشرة الأرضية وتوضح هذه النظرية التي تم التأكد منها بواسطة صور الأقمار الاصطناعية بأن القشرة الأرضية ليست جسماً مُصْـمتاً بل إنها عبارة عن ألواح (صفائح) أرضية تفصل بينها حدود، وهذه الصفائح تتحرك إما متقاربة أو متباعدة بحيث تكون الجبال غير الرسوبية عبارة عن أوتاد تحافظ على توازن هذه الألواح الأرضية أثناء حركتها.
التوبة
قول الله عز وجل: (يا أيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا) (سورة التحريم/ءاية 8) ويقول تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) (سورة النور/ءاية 31) ويقول تعالى: (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إنّ ربي رحيم ودود) (سورة هود/ءاية 90 ويقول تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وءامن وعمل صا لحًا ثم اهتدى) (سورة طه/ءاية 82. وروى ابن ماجه رحمه الله أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم قال: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له«.وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع روعن ابن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لو أنّ لابن ءادم واديًا من ذهب أحبّ أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا الـــتـــراب، ويــتــوب الله على من تاب« رواه البخاري ومسلم.
وفي قصة المرأة من جهينة لما زنت وحملت ووضعت ثم شُدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرُجمت ثم صلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟ قال: «لقد تابت توبة لو قُسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجَدْت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل« رواه مسلم رحمه الله.
والتوبة واجبة من كل ذنب كبيرة وصغيرة فورًا وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة.والغفلة هي الانشغال بمعصية الله عن طاعته، فالمسلم العاقل هو الذي يقوّم نفسه ويأخذ بزمامها إلى ما فيه مرضاة الله تعالى ورسوله، وإن جنحت نفسه يومًا للوقوع في المعاصي والانهماك في الشهوات المحرمة، يعلم أنّ الخالق غفور رحيم، يقبل التوب ويعفو عن السيئات، وأنه مهما أسرف في الذنوب ثم تاب منها فإنّ الله يغفرها جميعًا. لقوله عزّ وجل: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم) (سورة الزمر/ ءاية 53) والقنوط من رحمة الله هو أن يجزم المرء في نفسه بأنّ الله لا يرحمه ولا يغفر له بل يعذبه، وهذا القنوط ذنب من الكبائر.
فكن يا عبد الله وقّافًا عند حدود الشريعة، ملتزمًا بالأوامر الإلهية منتهيًا عن النواهي ولا تدَعْ نفسك تحدثك بالمعصية، وإن كانت معصية صغيرة، فإنّ من الناس مَنْ إذا وقع في وحل المعاصي ومستنقع الذنوب استلذ ذلك، وظل قابعًا في ظلام الفجور والخطايا، وقد قيل:
إذا ما خلوتَ الدهرَ يومًا فلا تقلْ
خلوت ولكن قل علي رقيبُ
ألم ترَ أنّ اليومَ أسرعُ ذاهبٍ
وأن غدًا للناظرين قريبُ
وأما شروط التوبة فهي التي لا بد منها لقبول التوبة عند الله وهي:
1 ــ الإقلاع عن المعصية أي تركها فيجب على شارب الخمر أن يترك شرب الخمر لتُقبل توبته والزاني يجب عليه أن يترك الزنا، أما قول: أستغفر الله. وهو ما زال على شرب الخمر فليست بتوبة.
2ــ العزم على أن لا يعود لمثلها أي أن يعزم في قلبه على أن لا يعود لمثل المعصية التي يريد أن يتوب منها، فإن عزم على ذلك وتاب لكن نفسه غلبته بعد ذلك فعاد إلى نفس المعصية فإنه تُكتب عليه هذه المعصية الجديدة، أما المعصية القديمة التي تاب عنها توبة صحيحة فلا تكتب عليه من جديد.
3 ــ والندم على ما صدر منه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «الندم توبة« رواه الحاكم وابن ماجه.
4 ــ وإن كانت المعصية تتعلق بحق إنسان كالضرب بغير حق، أو أكل مال الغير ظلمًا، فلا بدّ من الخروج من هذه المظلمة إما برد المال أو استرضاء المظلوم؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان لأخيه عنده مظلمة، فليتحلله قبل أن لا يكون دينار ولا درهم« رواه مسلم رحمه الله.
5 ــ ويشترط أن تكون التوبة قبل الغرغرة، والغرغرة هي بلوغ الروح الحلقوم، فمن وصل إلى حدّ الغرغرة لا تقبل منه التوبة، فإن كان على الكفر وأراد الرجوع إلى الإسلام لا يقبل منه، وإن كان فاسقًا وأراد التوبة لا يقبل منه؛ وقد ورد في الحديث الشريف: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر« رواه الترمذي وقال حديث حسن.
ويشترط أن تكون قبل الاستئصال، فلا تقبل التوبة لمن أدركه الغرق مثل فرعون لعنه الله
وكذلك يشترط لصحتها أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، لما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إن في المغـــرب بابًا خلقــه الله للتوبة مسيرة عرضه سبعون عامًا لا يُغلق حتى تطلع الشمس منه« رواه ابن حبان.
وقال عليه الصلاة والسلام: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه« رواه مسلم.فمن أراد الله به خيرًا رزقه التوبة النصوح والكاملة والثبات عليها حتى الممات.
إن الله أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين فلا يقنطن المؤمن من رحمة الله وليتُبْ إليه مهما بلغ عظم ذنوبه؛ فقد وردت قصة عن مسلم من بني إسرائيل قتل مائة إنسان ثم سأل عالمًا: هل لي من توبة؟ قال له: ومن يحول بينك وبين التوبة، اذهب إلى أرض كذا فإن بها قومًا صالحين، يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك بصورة ءادمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة. وفي رواية في الصحيح: فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها، وفي رواية فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له.
فما أعظم التوبة وما أسعد التائبين، فكم من أناس فاسقين فاسدين بالتوبة صاروا من الأولياء المقربين الفائزين.
جعلنا الله من التائبين الصادقين القانتين الصالحين بجاه سيد المرسلين والصحابة الطيبين وءال البيت الطاهرين ءامين.
الإسلام المعاصر
الإسلام المعاصر في المنظور الغربي - رؤي ما بعد الإستشراق والإختلاف في قراءة الظاهرة الإسلامية - عبدالرزاق الربيعي/ مسقط
في الستينيات دعا (مارشال هودغسون) الي إعادة النظر في الاسلام المعاصر علي ضوء مناهج علمية تقدم قراءات جديدة في امريكا متعددة المقاصد هذه الدعوة وغيرها من الدعوات التي انطلقت من اماكن متفرقة في اوروبا لتعبر عن رؤي جديدة لدي الامريكان والاوروبيين في دراسة الاسلام المعاصر اطلق عليها الدكتور (رسول محمد رسول) اسم (ما بعد الاستشراق) وذلك لانها (تنحو الي الاختلاف في قراءة الظاهرة الاسلامية وبقدر ما تستند الي منزع تأويلي "يراها" تركن الي الاستقراء والمعاينة المباشرة لمعطيات هذه الظاهرة) ليقدم (متابعة لفكر الاختلاف ومعطيات المثاقفة الجديدة) كما يوضح في مقدمة كتابه الجديد (الغرب والاسلام قراءات في رؤي ما بعد الاستشراق) الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت وليواصل مشروعه الفكري الذي بدأه بكتاب (العقلنة .. السبيل المرجأ) و(الاسلام والغرب استدراج التعالي الغربي) و(الحضور والتمركز قراءة في العقل الميثنا فيزيائي الحديث) و(المعرفة النقدية مدخل الي نظرية المعرفة).
يتألف الكتاب من ثلاثة فصول هي (امريكا والاسلام) و(اوروبا والاسلام) و(قراءات اخري في جوليات المثاقفة).
يناقش في الفصل الاول قضيتين هي الاسلام المعاصر في المنظور الامريكي وامريكا والمزاحمة الاسلامية المعاصرة.
حيث يرصد وجود افتراق داخل الولايات المتحدة الامريكية في نظرتها الكلية الي الاسلام المعاصر وهذه الرؤية كما يقول قائمة علي اساس سياسي وهو شأن النظرة الامريكية الي الاسلام منذ نشأت حتي اليوم اذ نجد هناك فئة من الاكاديميين الامريكان تنضد آراء تجاه الاسلام غير التي تنضدها فئة اخري مما يصغو في استراتيجية ما للادارة الامريكية بازاء الاسلام ويلاحظ المؤلف ان هذا الصراع يتسع في فجواته يوما بعد آخر وانها لرؤية صارخة في عدائها للاسلام والامر واضح جدا لكن لا بد من الاشارة الي ان هذه الرؤية هي مبعث جدل بل وصراع بين مجتمعين داخل امريكا مجتمع السياسة ومجتمع المعرفة الاكاديمية.
وحين يناقش ظاهرة المزاحمة الدينية والحضارية والثقافية الاسلامية واهميتها في واهن العلاقات الدولية يختلف مع الرأي القائل ان فاعلية الاسلام انما تعود الي مطلع سبعينيات القرن العشرين حيث الطفرة النفطية التي غيرت موازين المصالح داخل الوطن العربي والدول الاسلامية وخارجها حيث يري "ارسول محمد رسول" ان الارادة المزاحمة السياسية والاقتصادية وما تخللهما من مناشطات عسكرية جماعية منفردة هي تواصل وامتداد لمشروع النهضة الاسلامية في العصر الحديث وصيرورته التاريخية وما القطائع والتوقفات والاستئنافات سوي تخل محسوس وملموس لحركية النهوض المفترض ضمن تاريخية الاسلام بدئية وجوده الحضاري والثقافي.
وحين يستقري الموقفين الامريكي والاوروبي من الاسلام ان الدول اقل رصانة فأوروبا سبقت امريكا تاريخيا بهذا الاهتمام الا ان الآفق الزمكاني قد يكون مسوغا باهتا بازاء ميزة اخري قوامها رصانة الموقف الاوروبي من حيث البناء والوضوح ومرونة التأثر بالهدم واعادة البناء في الرؤية كما ان الموقف الاوروبي اقل اذعانا لمنطق الهيمنة مقارنة بالموقف الامريكي الذي غالبا ما يشد الرؤي لأن ترحل الي مناطق النفوذ السياسي والتحكمات الامبريالية.
ذلك لان الاسلام المعاصر يشكل خطرا استراتيجيا بنظر مكتب شؤون الأمن القومي في وزارة الدفاع الامريكية بل هو الخطر الرئيسي علي العالم الغربي الديمقراطي بعد انتهاء الحرب الباردة كما يشير تقرير اصدره المكتب سنة 1995 يؤكد الباحث في مناقشة مبادرة التحول من الاستشراق الي ما بعده في النظر الي الاسلام المعاصر الي ضرورة التحول من تكرار النقد للغرب واجترار آليات النقد الغربي للاسلام ذاتها الي طرح النماذج البديلة في التعامل والنماذج الواضحة في اطرها العملية دون التفريط بمصالح الأمة الاسمية العليا ودون افراط في الانفتاح علي الآخر والتماهي معه ليختتم الفصل الاول من كتابه ولينتقل الي اوروبا والاسلام المعاصر مناقشا رؤي ألمانية لجيرنوت روتر وفريدمان بوتنر ورؤية سويدية متجسدة في كتاب (انجمار كارلسون) الموسم الاسلام واوروبا تعايش ام مجابهة الذي قدم فيه استقراءات واجابات متعددة عن موضوعات عديدة تدخل في صلب عملاقة المغرب الاوروبي والاسلام الذي رأي الغرب ان الاسلام عدوه الجديد بل وصفه بالخطر الاخضر الذي حل محل الخطر الاحمر بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وانتهاء الحرب الباردة.
يقول الباحث في الوقت الذي يسعي "روتر" خائبا لتأهيل نظرية العدو الوهمي الجديد (الاسلام) نراه ينفي استمرار المخاوف الغربية الناتجة عن نظرية (صدام الحضارات) والتي دشن مفاصلها صاموئيل هنتنجتون عام 1993 ويعتقد ان هذه النظرية ليست جديدة فالصدام بين الغرب والاسلام حقيقة قائمة منذ تاريخ سابق علي حاضرتنا لكنه يؤكد ان عقول الغربيين هي البؤرة التي احتضنت هذه النظرية وليس عقول الاسلاميين.
هذه الافكار شكلت اساسا لهيمنة المشاعر العدائية لدي الاوروبيين تجاه الاسلام باعتبار ان المسلمين عدوانيين (فهم يمثلون تهديدا للحضارة الغربية ويؤكد الباحث ان الغرب بني سلوكه السياسي والاقتصادي والعسكري في علاقاته مع المسلمين علي هذه الاوهام.
فالفيلسوف الألماني (روتر) يضع اربعة اسباب لخوف الغرب من الاسلام هي: القنبلة الذرية الاسلامية مسألة الحجاب والتطرف الاسلامي وصورة العدد الوهمي فهذه الصورة النمطية الموروثة من العصور تعود اليوم برأي الباحث عند الغربيين كموضوعه فاعلة في ايجاد نظرية العدو الوهمي الجديد.
وعند مناقشة لهاجس (الألوهية) يؤكد ان هذا المصطلح نشأ في الأصل داخل معترك الثاقفة الامريكية فقد اطلق علي اصحاب العقيدة المسيحية الأصلية ليميزوا عن اتباع المذاهب العصرية ذات المضامين التساهيلية والمواقف النسبية وذلك مع مطلع القرن العشرين في الظاهر الاصولية ليست بنت الاسلام كما يؤكد السويدي (كارسلون) ومع ذلك غالبا ما يتم جعلها رديفا للاسلام فحسب حتي غدت أشبه ما تكون العلاقة الفارقة التي تلصق علي كل من يقول (الله اكبر).
ويستنتج الباحث ان ما يريد ان يصل اليه كارلسون هو تخفيف حدة ما يؤخذ علي الاسلام المعاصر من سلبية بل انه لا يري في خوف الغرب من الاسلام سوي شيء من الوهم مستدلا بقول ركارسلون الاسلام علي عكس الايديولوجية الماركسية لا يستطيع ان يكون عاملا سياسيا خارج محيطه الحضاري ملاحظا ان الاسلام لم يفلح حتي في توفير منبر عالمي للجماهير المسلمة الساخطة لتعبر من خلاله عن مشارعها علي الاقل ضد الاستعمار وضد الغرب وما يريد ان يقوله الاسلام السياسي مؤامرة جغرافية (جغرافية سياسية) وانما هو في الاصح ظاهرة اجتماعية.
وعندما ينظر كارلسون الي الجاليات الاسلامية في اوروبا فانه يقلل من شأنها وينظر الباحث لانها تفتقد الي الوحدة الشمولية وبذلك لا يري في الاسلام المعاصر خطرا يهدد اوروبا الغربية وحتي الشرقية ولا يري وجود داع حقيقي يؤدي الي الخوف من هذا الاسلام الجديد.
وعلي العكس منه يري الفرنسي (اوليفيه روا) في كتابة (تجربة الاسلام السياسي الذي ظهر في فرنسا عام 1992 ان الاسلاموية المعاصرة كما يسميها هي بربرة لا تخلو منها مدينة او مدينة وينعته الباحث بـ سليل العداء الاستشراقي الي الاسلام) الذي لا يكترث للرؤي الجديدة التي اخذت تنمو في فرنسا خاصة بل وفي اوروبا عامة والعالم الغربي بشكل أعم.
لكن (براتراندبادي) الذي ينطلق من توجيه نظرة الي جملة التحولات في النظرة الي الاسلام ينفصل برؤاه في المنحني الفرنسي ذي الصبغة الفكرية والمنهجية حيال الاسلام المعاصر.
ويختتم الباحث كتابه بقراءات في جوليات المثاقفة الجديدة متوقفا عند العلاقة بين الاسلام والعولمة في ضوء جولية الاجتهاد والتنافذ مع العصر.
لهذه بعض القضايا التي تناولها الدكتور رسول محمد رسول في كتابة الغرب والاسلام الذي عالج فيه الكثير من المسائل الفكرية التي تشغل الباحثين فقدم جهدا تمكن من خلاله الاجابة عن العديد من الاسئلة التي تدور في رؤوسنا.
قصائد حسان بن ثابت رضي الله عنه
في النبي محمد صلى الله عليه وسلم
حسان بن ثابت بن المنذر من بني مالك بن النجار الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد عام 60 قبل الهجرة وتوفي عام 54هـ.
وهو شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، واللسان المبين للدعوة الإسلامية، الذي خلّد مواقفها في غرر شعره، وأبلى بلاءً حميداً في المنافحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهجاء أعدائه، حتى كانوا يستجيرون بالرسول عليه الصلاة والسلام من وقع هجائه ومضاء لسانه، وكان حسان أيضاً شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر أهل اليمن في الإسلام.
وقد انبرى حسان منذ هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة للدفاع عن الإسلام وهجاء أعدائه، خاصة أولئك الشعراء من قريش الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما اشتد هجاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« مايمنع القوم الذين نصروا رسول الله بأسيافهم أن ينصروه بألسنتهم ؟» فقال حسان: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«كيف تهجوهم وأنا منهم ؟» فقال حسان: يارسول الله لأسلنك منهم كما تُسلّ الشعرة من العجين، فسُرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم به، وأكرمه ودعا له: أن يؤيده الله بروح القدس، ووعده الجنة جزاء منافحته عنه، ونصب له منبراً في المسجد الشريف ليلقي من فوقه شعره .
وقد سجلت كتب الأدب والتاريخ الكثير من الأشعار التي ألقاها حسان في مسجد سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهي في هجاء الكفار ومعارضتهم، أو في مدح المسلمين ورثاء شهدائهم وأمواتهم.
فمن الأشعــار التي يهجو بها شعراء المشركين قوله من قصيدة ينافح بها عن النبي صــلى الله عليه وسلم ويهجو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب الذي هجا الرسول صلى الله عليه وسلم:
ألا أبلــغ أبا سفيان عني فأنت مجوف نخب هواء
بأن سيـوفنا تركتك عبداً وعبد الدار سادتها الإماء
هجوت محمداً فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولستَ له بكفءٍ فشركما لخيركما الفداء
هجوت مباركاً برّاً حنيفاً أمين الله شـيمته الوفاء
فمن يهجورسول الله منكم ويمدحـه وينصُره سواء
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
لساني صارم لاعيب فيه وبحري لاتكدره الدلاء
وكانت وفود القبائل تَقْدَم على الرسول صلى الله عليه وسلم للمفاخرة فكان الرسول عليه الصلاة والسلام يستعين بشاعره حسان للرد عليهم ومفاخرتهم، وكانت الروح الإيمانية والبراعة الشعرية عند حسان مدعاة لاعتناق بعض القبائل الإسلام، فقد اعتلى حسان المنبر في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يوم انتصاره الأدبي العظيم على شعراء بني تميم في وفودهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وفدوا عليه بعد فتح مكة ليفاخروه، وفيهم ساداتهم البارزون، ونخبة من خطبائهم وشعرائهم، أمثال الأقرع بن حابس، والزَّبْرِقان بن بدر، وعُطارد بن حاجب، وقيس بن عاصم، فألقوا خطبهم وقصائدهم، فانتدب النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت للرد على شاعرهم الزِّبْرقان بن بدر، فنقض قصيدته بالقصيدة العينية التي يقول فيها:
إنّ الذوائب من فهر وإخــوتهم قــد بينوا ســنةً للناس تُتّبع
يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
قومٌ إذا حاربوا ضروا عـدوّهم أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محــدثة إن الخلائق_فاعلم_ شرُّها البدع
إن كان في الناس سبّاقون بعدهم فكل سبق لأدنى سبقهم تبــع
ولايضنون عن مولى بفضــلهم ولايصيبهم في مطـــمع طبع
لايجهلون وإن حاولت جهلـهم في فضل أحلامهم عن ذاك مُتسع
أعفّةٌ ذكرت في الوحي عفتـهم لايطمعــون ولايرديهم الطمع
كم من صديق لهم نالوا كـرامته ومن عدوٍ علـيهم جاهد جدعوا
أعطوا نبي الهدى والبر طاعتـهم فما ونى نصرهم عــنه ومانزعوا
أكرم بقوم رسول الله شيعتهـم إذا تفرقت الأهواء والشـــيّع
فلما سمع القوم ماقاله حسان، قال الأقرع بن حابس: إن هذ الرجل لمؤتى له، والله لخطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا، ثم أقبلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه وأسلموا.
المديح عند حسان:
كان حسان ينظر في مديحه للرسول صلى الله عليه وسلم، ولأصحابه رضي الله عنهم، من الزاوية الدينية، لا من الزاوية القبلية،لذلك جاءت مدائحه صادقة، ونابعة من قلبه وعقله، وهذه أبيات يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أَغـــرّ عليه للنبوة خاتم مـن الله مشهود يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد
وشق لــه من اسمه ليجله فـذو العرش محمود وهذا محمد
نبي أتانا بعــد يأس وفترة مــن الرسل، والأوثانُ في الأرض تعبد
فأمسى سراجاً مستنيراًوهادياً يلـوح كما لاح الصقيل المهند
وأنذرنا ناراً وبشّــر جنةً وعلمـــنا الإسلام فالله نحمد
وأنت إله الخلق ربي وخالقي بذلك ماعـمّرت في الناس أشهد
ومن قوله يمدحه عليه الصلاة والسلام:
وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء
خُلِقْتَ مبرءاً من كل عيب كأنك قد خُلِقْتَ كما تشاء
الرثاء عند حسان:
وقف حسان جانباً كبيراً من شعره على الرثاء، يبكي به من سقط شهيداً من المسلمين في الميادين، ومن تخترمه المنية من رجالهم البارزين، موظفاً قصائده المعاني الدينية، والقيم الإسلامية، ويعدد فيها مناقب المرثي في نصرة الدين والذود عن الإسلام.
قال يرثي حمزة بن عبدالمطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد الشهداء الذي استشهد في معركة أحد سنة ثلاث للهجرة.
دع عنك داراً عفا رسمـها وابك على حمزة ذي النائل
أبيض في الذروة مـن هاشم لم يَمْرِ دون الحق بالباطـل
أظلمتِ الأرضُ لفقــدانه واسودّ نور القمر الناصـل
صلى عليك الله في جــنة عالية مكـــرمة الداخل
وقال أيضاً يرثي أصحاب بئر معونة في السنة الرابعة للهجرة، الذين غدر بهم عامر بن الطفيل، وجماعة من بني سليم، وقتلوهم جميعاً، وكانوا زهاء سبعين رجلاً من خيار الصحابة قال:
على قتلى معــونة فاستهلي بدمـع العين سحاً غير نزر
على خيل الرسول غداة لاقوا مناياهــم ولاقتهم بقدر
أصـــابهم الفناء بحبل قوم تخـوّن عقد حبلهم بغدر
كما قال يرثي زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة رضي الله عنهم الذين سقطوا شهداء في معركة مؤتة من أرض البلقاء في الشام، في السنة التاسعة للهجرة:
تأوبني ليل بيثرب أعـــسرٌ وهَـمٌّ إذا مانوّم الناس مسهر
لذكرى حبيب هيجت ثم عبرة سفوحاً وأسباب البكاء التذكر
بلى إنّ فقدان الحــبيب بليةُ وكـم من كريم يبتلى ثم يصبر
فلا يبعــدن الله قتلى تتابعوا بمـؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيدٌ وعبــدالله حين تتابعوا جميعاً وأسبـــاب المنية تخطر
غـداة غدوا بالمؤمنين يقودهم إلى المـوت ميمون النقيبة أزهر
وتجلى رثاء حسان عندما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى في السنة الحادية عشرة للهجرة فقال يرثيه:
بطيبة رســم للرسول ومعهد منيرٌ وقد تعفو الرسوم وتهمـد
ولاتنمحي الآيات من دار حرمة بها منبر الهادي الذي كان يصعد
بها حجرات كـان ينزل وسطها مـن الله نور يستـضاء ويوقد
معالم لم تطمس على العهد آيها أتاهـا البلى فالآي منها تجدد
عرفت بها رسم الرسول وعهده وقبراً به واراه في الترب ملحد
ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت عيـون ومثلاها من الجفن تسعد
فبوركت ياقبر الرسول وبوركت بلاد ثوى فيها الرشيد المسـدد
وبورك لحدٌ مـنك ضمن طيبـاً عليه بناء من صفيح منضــد
لقد غيبوا حلماً وعلماً ورحمـة عشـية علوه الثرى لايوسـد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيـهم وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكون من تبكي السموات يومه ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد
ومافقد الماضون مثل محــمد ولامثله حـتى القيامة يفقـد
ورثاه أيضاً بقصائد متعددة كلها تترجم حزنه الشديد وأسفه البالغ.
وظل حسان بن ثابت رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد النبوي بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم، روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن عمر بن الخطاب مرّ بحسان وهو ينشد الشعر فلحظ إليه _ أي نظر إليه شزراً_ فأجابه حسان: كنت أنشد الشعر وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « أجب عني، اللهم أيده بروح القدس» قال: اللهم نعم .
الحرب على الختان
رفاعي سرور
أضيفت بتاريخ : 29 - 06 - 2007 نقلا عن : خاص بإذاعة طريق الإسلام نسخة للطباعة القراء : 17315
قراءة أخرى لفتاوى تحريم الختان
خطوط البصمة اليهودية:
عندما فسر القرآن النفسية اليهودية تم ذلك بصورة لها خصائص الطبيعة الإعجازية القرآنية.. وكان من أبرز نواحي هذا التفسير هو الطبيعة المادية للتفكير اليهودي التي تعاملوا بها مع كل القضايا التي تمسهم، مثلما كان تعاملهم مع علامات الساعة.. الثابتة عندهم, فعندما علموا أن المسيح عيسى ابن مريم سينزل في آخر الزمان عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين , حطموا هذه المنارة ظنًّا منهم أن هذا سيمنع عيسى من النزول, ولما علموا أن الشجر سيقول: يا مسلم.. ورائي يهودي تعالَ فاقتله. وعلموا أن هناك شجرًا لن يفعل ذلك وهو شجر الغرقد , أكثروا من زراعته؛ ظنًّا منهم أن هذا سيحميهم من بلاغات الشجر الآخر عنهم.
ويمكن تفسير هذا الأسلوب في التفكير بمنطق الأمر الواقع.. حتى لو كان باطلًا, وهو منطق متمكن من العقل اليهودي بصورة نهائية, بل إنه المنطق الذي نشأت به الأمة اليهودية ابتداء من بني إسرائيل.. حيث يؤمنون أن النبوة جاءت ليعقوب بالباطل.. وبمنطق الأمر الواقع، رغم أن المستحق لها -حسب زعمهم- هو عيصو أخو يعقوب., والقصة معروفة في التوراة المحرَّفة التي بين أيديهم.
وملخصها: أن إسحاق طلب من ابنه عيصو أن يذهب ليصطاد ليأكل ثم يعطيه البركة التي سيكون بها نبيًّا.
فسمعت أم يعقوب زوجها إسحاق وهو يطلب ذلك من عيصو، وكان إسحاق قد كف بصره، فطلبت أم يعقوب من يعقوب أن يلبس ثياب أخيه ويقدم له الطعام الذي يحبه على أنه هو عيصو ففعل يعقوب ما طلبته منه أمه، ودخل بالطعام على أبيه وهو يلبس ثياب أخيه واقترب من أبيه فشم إسحاق الثياب فعلم أنها ثياب عيصو وظن أن يعقوب هو عيصو.
فأعطاه البركة.. فصار يعقوب بذلك نبيًّا..
فجاء عيصو واكتشف الخدعة كما -اكتشفها إسحاق نفسه-.. فطلب منه عيصو أن يعطيه هو أيضًا بركة، فقال له إسحاق: إنها كانت بركة واحدة، وهي التي أخذها يعقوب وليس لديه بركة أخرى.
هذا العقل الذي حرف التوراة هو الذي يحارب الختان الآن.
الختان كما يعلم اليهود هو العلامة التي أعطاها الله لذرية إبراهيم دليلا علي استحقاق الولاية على البشر.
ونبدأ بإثبات ذلك بالنص الوارد في التوراة التي بين يدي الناس في [تكوين: 17 : 9 ـ 14] :
(( 9 وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيم: «وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ.
10 هذَا هُوَ عَهْدِي الَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ،
11 فَتُخْتَنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.
12 اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ: وَلِيدُ الْبَيْتِ، وَالْمُبْتَاعُ بِفِضَّةٍ مِنْ كُلِّ ابْنِ غَرِيبٍ لَيْسَ مِنْ نَسْلِكَ.
ونفهم من هذا النص أن الختان علامة كونية على استحقاق الولاية على البشر، ولذلك فهم يظنون أن منع العرب من الختان كعلامة للولاية والعهد سيسلم به الله -حاشاه وسبحانه- ويحرم هؤلاء العرب من الولاية؛ تماما مثل تصورهم أن هدم المنارتين سيمنع عيسى من النزول أو زرع الشجر سيحميهم من البلاغ عنهم.
ومن هنا كانت الحرب علي الختان والتي بدأها بولس اليهودي بخطوات شيطانية واضحة
العهد بالختان لإبراهيم
في البداية يقر بولس بحقيقة الختان كعهد من الله للولاية علي البشر
فَقَالَ:«أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ وَالآبَاءُ، اسْمَعُوا! ظَهَرَ إِلهُ الْمَجْدِ لأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، قَبْلَمَا سَكَنَ فِي حَارَانَ
وبعد تفسير بولس للختان بصفته العهد الذي أعطاه الله لإبراهيم يبدأ في تغيير التفسير . يقول في نفس الاصحاح :
13
فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ الإِيمَانِ.
14 لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِينَ مِنَ النَّامُوسِ هُمْ وَرَثَةً، فَقَدْ تَعَطَّلَ الإِيمَانُ وَبَطَلَ الْوَعْدُ:
ويفسر ختان المسيح نفسه فيقول في رسالته إلى أهل رومية [ رومية : 15 : 8 ]
( وَأَقُولُ: إِنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ قَدْ صَارَ خَادِمَ الْخِتَانِ، مِنْ أَجْلِ صِدْقِ اللهِ، حَتَّى يُثَبِّتَ مَوَاعِيدَ الآبَاءِ.)
التسوية بين الختان والغرلة
ثم كانت الخطوة التي بدأها بولس بعد ذلك للقضاء على الختان هي التسوية بين الختان والغرلة ، يحاول ذلك مستغلا تأخر إبراهيم في الختان ومدعيا أنه كان بارا بغير الختان كما كان بارا بالختان ، يقول في رسالته لأهل رومية الإصحاح الرابع : العدد 9 ، 10 .
في رسالته إلى أهل أغلاطية الإصحاح الخامس العدد 2 (2 هَا أَنَا بُولُسُ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لاَ يَنْفَعُكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا! )
ولكن بولس لم يستطع محو حقيقة الختان كعلامة على عهد الله بالولاية من تراث النصرانية رغم تحريفها حتى بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
ونذكر الوثيقة الدالة على ركيزة الختان في الولاية والتي أعطى فيها ملوك الروم الرسول صلى الله عليه وسلم لقب (ملك الختان) حيث كان لهذا اللقب دلالته السياسية الهائلة.
الأولى: أن ذرية إبراهيم المستحقون للإمامة بعد إتمام الكلمات هم بنوا إسرائيل والعرب.
وأن علامة إمامتهم هي الختان لأنها العلامة المشتركة بينهم. لذلك قال هرقل: لقد ظهر ملك الختان.. فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالُوا لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ
وَسَأَلَهُ عَنْ الْعَرَبِ فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ فَقَالَ هِرَقْلُ هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ
ولكن هرقل كان يعلم هذا النبي سيملك العالم فقال: لو كان كما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين. لأن هرقل كان ملك العالم حيث جاء الحوار بعد انتصار الروم على الفرس.. وأصبحت الروم أقوى دولة في العالم.
ومن هنا كان الختان في التصور الإسلامي هو الدليل والعلامة علي ولاية أمة النبي صلى الله عليه وسلم على أحقيتها للإمامة
وهو ما يتوافق مع المفهوم القرآني تمامًا، فتناقش سورة البقرة قضية الإمامة على الناس في قول الله سبحانه: { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [ البقرة:124]
ومضمون هذا النص أيضًا هو أن الختان علامة على استحقاق ذرية إبراهيم للولاية على البشر، حيث أوضحت الآيات أن الإمامة على الناس كانت لإبراهيم في الابتداء، بعد أن أتم إبراهيم الكلمات التي ابتلاه الله بها، وكان أهم هذه الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم.. هو الختان.
قال ابن عباس: (ابتلاه الله بالطهارة خمسٌ في الرأس، وخمسٌ في الجسد؛ في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء)
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي قال: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط»
فمفهوم الابتلاء ينطبق أول ما ينطبق بالنسبة لإبراهيم على الختان؛ لأنه أُمِر به وهو في سن الثمانين من عمره، وختن نفسه في هذا السن بقدوم من حديد، فانطبق مفهوم البلاء على الختان بصفة خاصة؛ لأن بقية الكلمات ليست لها صفة الختان والبلاء به. مثل قص الأظافر والإبط والعانة..
ومن هنا قال الفراء في تفسير قول الله تعالى: { صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [البقرة: 138] «الصبغة: الختان».
ولكن الصفة الجامعة للكلمات نستطيع أن نقول فيها: إنها الصفات المتعلقة بصورة مباشرة بالعلاقة الزوجية، والمساعدة على إتمام معاشرة زوجية صحيحة، ليكون الختان هو ضبط الشهوة حتى لا تتجاوز حد الضرورة.. فتتحول إلى غاية في ذاتها؛ ولذلك كان ختان المرأة مكرمة لها، وتعامُل إبراهيم الخليل مع نفسه في الختان يؤكد حدود الضرورة كسياج، فيختتن وهو في سن الثمانين وبقدوم من حديد! فتشعر بالضرورة في كل عناصر الحديث الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: «السن.. المكان وحساسيته.. الأسلوب.. الأداة».
ولما كانت ذرية إبراهيم من إسماعيل وإسحاق كانت ذريتهما هي التي تختتن، والعرب من إسماعيل، واليهود من إسحاق، ولم يتوقف ذرية إبراهيم من العرب واليهود عن الختان، إلا ما حدث من النصارى بعد تحريف بولس.
واعتبار الختان (كعلامة كونية) على الولاية (كحقيقة قدرية) ليست المثال الوحيد للعلامة الكونية على الحقيقة القدرية.
فمثلها: خاتم النبوة.. وهي علامة كونية دالة على النبوة كحقيقة قدرية..ولكن اعتبار الختان علامة على الولاية يتضمن معاني منهجية هامة وهي أن الختان أساس للعلاقة الزوجية السليمة..وأن العلاقة الزوجية السليمة هي أهم قواعد الولاية إذ تجتمع فيها مقتضيات الإمامة في الدين كما في قول الله عز وجل (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) (الفرقان:74)
فتتحقق الرجولة والقوامة.. و تتحقق القيادة والأبوة.. و يتحقق الصبر والتربية.. و يتحقق اليقين الاطمئنان.
كما أن هناك علاقة تفصيلية بين الزواج والإمامة ذات طبيعة نفسية إذ كان إحساس الغيرة والدفاع عن العرض هو الإمكانية الأولى لحماية الدعوة، و لذلك نشأ الولاء للجماعة ارتكازاً على طبيعة الغيرة والدفاع عن العرض؛ ولهذا كان نص البيعة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار هو قوله: "أن تحموني مما تحمون منه نساءكم وأموالكم ..." وتبقى طبيعة الغيرة الإنسانية على العرض طاقة مستمرة لحماية الدعوة حتى تصبح الغيرة على الدين قرينة الغيرة على العرض، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) كما أن العلاقة الزوجية تغرس في نفس الإنسان صفة أخلاقية مهمة تعتبر الأساس الأول في الالتزام بالجماعة المسلمة، وتلك الصفة هي الارتفاع بمستوى الالتزام بالجماعة فوق مستوى الانفعال النفسي، وذلك لأن العلاقة الزوجية هي التي تحقق في الطبيعة الإنسانية صفة الاتزان السلوكي؛ لأن ثبات العلاقة الزوجية دون التأثر بالانفعالات النفسية قاعدة قرآنية، إذ يقول الله _ عز وجل _:{ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } [ النساء : من الآية 19 ] .
و يقول الإمام ابن القيم في قوله _ تعالى _: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [ البقرة : 216 ] ، وقوله عز وجل: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [ النساء : من الآية 19 ] ، فالآية الأولى في الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية، و الثانية في النكاح الذي هو كمال القوة الشهوانية، فالعبد يكره مواجهة عدوه بقوته خشية على نفسه منه، وهذا المكروه خير له في معاشه ومعادة، وكذلك يكره المرأة لوصف من أوصافها، وله في إمساكها خير كثير لا يعرفه، ويحب المرأة لوصف من أوصافها، وله في إمساكها شر كثير لا يعرفه، فالإنسان كما وصفه به خالقه (ظلوم جهول) فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يضره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه، بل المعيار على ذلك ما اختاره له بأمره ونهيه".
وهذا هو المطلوب في علاقة الرجل بالجماعة؛ إذ أن الالتزام بالجماعة المسلمة لن يكون صحيحاً إلا إذا ارتفع فوق الظروف النفسية، ومن هنا كانت البيعة على السمع والطاعة و العسر واليسر والمنشط والمكره كما قال الصحابة فيما يرويه البخاري و غيره عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ قَالَ: "بايَعْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَالأَثَرَةِ عَلَيْنَا. وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَةُ. وَأَنْ نَقُولَ الْحَقَّ حَيْثُمَا كُنَّا. لاَ نَخَافُ فِي الله لومه لائم"
ولكن العلاقة التاريخية المباشرة بين الختان والولاية من خلال العلاقة الزوجية يفسرها قصة بناء الكعبة
ـ آية العهد و بناء الكعبة و العلاقة الزوجية .
إذ ذكرت السيرة الصحيحة لإبراهيم الخليل تصحيح العلاقة الزوجية لإبنه إسماعيل مع ذكر بناء البيت مباشرة (فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَرٍّ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ فَشَكَتْ إِلَيْهِ قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا فَقَالَ هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ قَالَتْ نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ قَالَ فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ قَالَتْ نَعَمْ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ قَالَ ذَاكِ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا قَالَ كَيْفَ أَنْتُمْ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ مَا طَعَامُكُمْ قَالَتْ اللَّحْمُ قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ قَالَتْ الْمَاءُ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ قَالَ فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ قَالَتْ نَعَمْ أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ قَالَ فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ قَالَتْ نَعَمْ هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ قَالَ ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ ثُمَّ قَالَ يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ قَالَ فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ قَالَ وَتُعِينُنِي قَالَ وَأُعِينُكَ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولَانِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قَالَ فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(1) إلي أخر آيه العهد
وبذلك يرفع إبراهيم بهذا الموقف قاعدة هامة للبيت المسلم قبل رفعه هو وإسماعيل القواعد من البيت الحرام.
وهي أن تكون الزوجة قرة عين للزوج حتى يكون للمتقين إمامًا ..ولذلك كان لا بد من هذه القاعدة قبل أن يأخذ إبراهيم عهد الاستخلاف لنفسه وذريته ..
ومن موقف بناء البيت تتقرر الولاية للرسول عليه الصلاة والسلام حيث كان الدعاء عند رفع البيت: "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ" .
ولتتحقق الولاية على البشر بداية بفتح مكة ..
ومن هنا تحدد في فتح مكة أعظم مواثيق العلاقة الزوجية و وذلك في خطبة الوداع .. حيث قال صلى الله عليه وسلم: " أما بعد: أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقاً، ولهن عليكم حقاً، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن، فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف .واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلغت"
ولكن اليهود يواصلون خطوات بولس القديمة حيث تتضح طبيعة التخطيط يهودية..
إثارة المسألة كخلاف فقهي..ثم البقاء مدة لينشغل عقل الناس بالمسألة..
ثم إعلان الفتاوى بخصوص الختان ليثور الجدل من خلال المصطلحات الجاهزة لحقوق الإنسان
ثم إعلان الدعوة إلى ترك الختان.. والدخول بالمسألة إلى المجال القانوني.. وإصدار القوانين التي تجرم الختان.
وكل ذلك بمعدل زمني مفاجئ وسريع.وبضجة إعلامية عالمية علي كل المستويات السياسية والاجتماعية
بصورة تثير تساؤلا ت كثيرة , ليس لها جواب إلا فهم حقيقة الختان .. ومخططات اليهود المرسومة في حياة الذين لا يفهمون من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق ,من أجل ذلك نذكر بآخر كلمات في آخر خطاب من رسول الله صلي الله عليه وسلم للأمة
"فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلغت"
نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم تعريف زوجاته
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب (واسم عبد المطلب شيبة) بن هاشم (واسم هاشم عمرو) بن عبد مناف (واسم عبد مناف المغيرة) بن قصي (واسم قصي زيد) بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهر بن مالك بن النَّضر بن كنانةَ بن خزيمة بن مدركة (واسم مدركة عامر) بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد (ويقال أدد) بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم (خليل الرحمن) بن تارح (وهو آزر) بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ (وهو إدريس النبي فيما يزعمون والله أعلم، وكان أول بني آدم أُعطي النبوة وخط بالقلم) بن يرد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم.
نسبه من جهة الأم
فأمه آمنة بنت وهب بن كلاب (الجد الخامس له من جهة أبيه) بن مرة بن كعب بن لؤي.
تاريخ ميلاده
ولد عام الفيل صبيحة الإثنين من شهر ربيع الأول وهو الموافق للعام 571 من ميلاد المسيح عيسى ابن مريم.
زوجاته
*خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها وأرضاها): تزوَّجت في الجاهلية من هند بن النباش التميمي وكنيته أبو هالة، وبعد موته تزوَّجت عتيق بن عابد المخزومي، ثم مات عنها عتيق، وكانت من أرفع بيوت قريش وأوسطها نسبًا وحسبًا، وولدت له السيدة خديجة كلَّ أولاده وبناته باستثناء إبراهيم؛ فقد ولدته مارية القبطية (الجارية التي أهداها المقوقس عظيم مصر إلى النبي) ولم يتزوج- صلى الله عليه وسلم- أخرى حتى ماتت السيدة خديجة عن خمس وستين سنة، بينما كان عليه السلام قد تخطَّى الخمسين سنة.
* السيدة سودة بنت زمعة (رضي الله عنها وأرضاها): تزوجت في الجاهلية بالسكران بن عمرو بن عبد شمس (ابن عمها) وأسلما بمكة وخرجا مهاجرَين إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، ثم قدما من الحبشة، ومات السكران بمكة، وترمَّلت زوجته السيدة سودة، فلما انقضت عدتها أرسل لها النبي صلى الله عليه وسلم فخطبها وتزوجها بمكة، وهاجرت معه إلى المدينة.
* السيدة عائشة (رضي الله عنها وأرضاها): بنت أبي بكر، الصدِّيقة بنت الصديق، التي نزلت براءتها من فوق سبع سماوات، وكانت صغيرةَ السن وأقربَ زوجاتِه إلى قلبِه، وهي الزوجةُ البكر الوحيدة التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت حافظةً واعيةً فقيهةً، تعلَّم منها جمعٌ كثير من الصحابة.
* السيدة حفصة (رضي الله عنها وأرضاها): بنت عمر بن الخطاب، الصوَّامة القوَّامة تحب الله ورسوله، كانت قد تزوجت خنيس بن حذافة السهمي الذي أسلم معها وهاجر بها إلى المدينة فمات عنها- عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة أحد- متأثرًا بإصابته في الغزوة، وعندما انقضت عدتها عرض عمر على أبي بكر الصديق أن يزوِّجه ابنته حفصة، فسكت أبو بكر، ثم عرضها على عثمان بن عفان، لكن الله أراد أن تكون من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.
* زينب بنت خزيمة (رضي الله عنها وأرضاها): أم المساكين، تزوجت ابن عم النبي عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف رضي الله عنه، الذي استُشهد في يوم بدر وتركها وحيدة لا عائل لها، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم.
* أم سلمة (رضي الله عنها وأرضاها): واسمها هند بنت سهيل بن المغيرة المخزومي، استُشهِد زوجُها أبو سلمة، وخلَّف وراءه السيدة أم سلمة وكثرة من الأطفال، فلما انقضت عدتها أرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فخطبها.
* أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب (رضي الله عنها وأرضاها): تزوجت عبيد الله بن جحش بن خزيمة، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية.. وهناك فُتن عبيد الله في دينه فارتدَّ عن الإسلام وثبتت هي- رضي الله عنها- على دينها رغم الغربة والوحشة والوحدة فأكرمها رسول الله وعوضها عن الزوج الذي ارتدَّ.
*زينب بنت جحش الأسدي (رضي الله عنها وأرضاها): بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أي أنها من أعرق وأشرف بيوت قريش وأرفعها نسبًا وشرفًا.
* صفية بنت حُيي بن أخطب (رضي الله عنها وأرضاها): بنت زعيم اليهود، حيث وقعت في الأسر بعد فتح خيبر، وكان أبوها وأخوها وزوجها قد قُتلوا في المعركة، ورفقًا ورحمةً بها خيَّرها الرسول صلى الله عليه وسلم بين إطلاق سراحها وإلحاقها بقومها إن أرادت البقاء على يهوديتها وبين الزواج منه إن أسلمت فأسلمت وتزوجها النبي.
*السيدة جويرية بنت الحارث بن ضرار (رضي الله عنها وأرضاها): بنت زعيم بني المصطلق، فقد حارب أبوها المسلمين، ولحقت به هزيمةٌ منكرةٌ كادت تتسبب في فناء قبيلته أو إذلالهم أبد الدهر، فقد سقط المئات من بني المصطلق أسرى، ومنهم السيدة جويرية بنت الحارث.. وجاءت إليه فقالت: "يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث سيدِ قومه.. وقد أصابني من الأمر ما قد علمت (تقصد الأسر والذل) فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبني على تسع أواقٍ، فأعِنِّي في فكاكي (تطلب معاونته صلى الله عليه وسلم في دفع المتفق عليه لتحريرها من الأسر) فقال لها صلى الله عليه وسلم: أو خير من ذلك؟ فسألته: ما هو؟ فقال صلى الله عليه وسلم أؤدِّي عنك كتابك وأتزوجك، فقالت: نعم يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: "قد فعلت".
*ماريا بنت شمعون المصرية (رضي الله عنها وأرضاها): هي ماريـة بنت شمعون القبطيـة، أهداها له المقوقس القبطي صاحب الإسكندرية ومصر، وذلك سنة سبع من الهجرة، أسلمت على يدي حاطـب بن أبي بلتعة وهو قادم بها من مصر الى المدينـة، وكانت -رضي الله عنها- بيضاء جميلة، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يطؤها بملك اليمين، وضرب عليها الحجاب، وفي ذي الحجـة سنة ثمان ولدت له إبراهيم الذي عاش قرابـة السنتيـن، وكانت أمها روميّة، ولها أخـت قدمت معها اسمها سيرين، أهداها النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- لشاعره حسّان بن ثابت، وقد أسلمت أيضاً مع أختها...
*ميمونة بنت الحارث (رضي الله عنها وأرضاها): هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهرم الهلالية آخر من تزوج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. أمها هند بنت عوف بن زهير أكرم امرأة في الأرض أصهاراً: أصهارها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الصديق، وحمزة والعباس ابنا عبد المطلب وجعفر وعلي ابنا أبي طالب. أخواتها لأمها وأبيها: أم الفضل زوج العباس ولبابة الصغرى أم خالد بن الوليد وأخواتها لأمها: زينب بنت خزيمة الهلالية أم المؤمنين وأسماء بنت عميس زوج جعفر بن أبي طالب ثم أبي بكر ثم علي، وسلمى بنت عميس زوج حمزة بن عبد المطلب.
قيل: إنها التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وفيها نزلت: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي …) تزوجها صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء عام 7هـ،
توفيت بعد عودتها من الحج بسرف ودفنت حيث أوصت في موضع قبتها هناك سنة إحدى وخمسين وصلى عليها ابن أختها عبد الله بن العباس: تقول عنها السيدة عائشة: (ذهبت والله ميمونة .. أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم ) .
أولاده
اختلفت أقوال المحدثين والمؤرخين في أولاده صلَّى الله عليه وسلم، فمنهم من عدَّهم ستًّا ومنهم من عدَّهم سبعًا، والاختلاف الحاصل مرجعه إلى كمِّ عدد أولاده الذكور، لكن بنات النبي صلى الله عليه وسلم أربع باتفاق المؤرخين, وهن: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة, وجميعهن من السيدة خديجة.
والأبناء قيل: القاسم وعبد الله من السيدة خديجة, وإبراهيم من مارية، وقيل القاسم والطيب والطاهر.
عمومته
كان لعبدِ المطلب بن هاشم 12 ولدًا، أكبرهم هو الحارث، وكان يكنى به، وقد جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير (3/354) عن الزهري قوله عن عبد الله- والد الرسول صلى الله عليه وسلم-: "وكان أجمل رجال قريش، وهو أخو الحارث والزبير وحمزة وضرار وأبي طالب (واسمه عبد مناف)، وأبي لهب (واسمه عبد العزى)، والمقوم (واسمه عبد الكعبة) وقيل هما اثنان، وحجل (واسمه المغيرة) والغيداق (وهو كثير الجود، واسمه نوفل) ويقال إنه حجل، والعباس.. فهؤلاء أعمامه"، وبعض المؤرخين أضافوا رجلاً آخر واسمه قثم بن عبد المطلب كما جاء في (الروض الأنف) (1/439).
وكان أكبر أعمام النبي هو الحارث بن عبد المطلب ولم يدرك الإسلام، وقيل إن الزبير وضرارًا كذلك لم يدركا الإسلام، وقد ذكر المؤرخون أنه لم يدرك الإسلامَ من أعمامِ النبي الكريم إلا أربعةٌ: حمزة والعباس وأبو طالب وأبو لهب، أسلم منهم اثنان وكفر اثنان.
وأما عماته فهن: صفية، وأروى، عاتكة، وأم حكيم (وهي البيضاء)، أميمة.
أخواله
هم بنو زهرة أخوال النبي عليه وآله الصلاة والسلام، تلك الأسرةُ القرشيةُ الأصيلةُ ذات الشأن العظيم والمقام العالي الفخيم، تلك القبيلة التي كانت أقربَ الأسر القرشية قربًا وصلةً ومودةً ببني هاشم، كانت تسكن مع بني هاشم في جهة واحدة من مكة المشرفة دون غيرها من سائر قريش، وكانت دائمًا في صفٍّ واحدٍ جنبًا إلى جنب مع إخوتها وأبناء عمومتها من الأسرة الهاشمية؛ حيث إن بينهما صلةَ قرابة من جهة زهرة وقصي ابني كلاب، وكذا عبد مناف بن قصي بن كلاب وعبد مناف بن زهرة بن كلاب (سميا بالمنافين لعلو شانهما).
ويكفي فخرًا لـ(بني زهرة) أن جعل الله منها والدة المصطفى محمد، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة.
وبعد الإسلام كان النبي محمد عندما يقدم عليه خاله عمير بن وهب يفرش له رداءه، ويجلسه عليه، فقال له عمير: أأجلس وأنت رسول الله؟.. فكان رسول الله يكرمه ويقدمه، بل كان النبي يتباهى بسيدنا سعد بن أبي وقاص الزهري رضي الله عنه عندما كان يقدم عليه أمام أصحابه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة "هذا خالي فليرني امرؤٌ
الاسم ونسب الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة الأب
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب (واسم عبد المطلب شيبة) بن هاشم (واسم هاشم عمرو) بن عبد مناف (واسم عبد مناف المغيرة) بن قصي (واسم قصي زيد) بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهر بن مالك بن النَّضر بن كنانةَ بن خزيمة بن مدركة (واسم مدركة عامر) بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد (ويقال أدد) بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم (خليل الرحمن) بن تارح (وهو آزر) بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ (وهو إدريس النبي فيما يزعمون والله أعلم، وكان أول بني آدم أُعطي النبوة وخط بالقلم) بن يرد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم.
نسبه من جهة الأم
فأمه آمنة بنت وهب بن كلاب (الجد الخامس له من جهة أبيه) بن مرة بن كعب بن لؤي.
تاريخ ميلاده
ولد عام الفيل صبيحة الإثنين من شهر ربيع الأول وهو الموافق للعام 571 من ميلاد المسيح عيسى ابن مريم.
زوجاته
*خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها وأرضاها): تزوَّجت في الجاهلية من هند بن النباش التميمي وكنيته أبو هالة، وبعد موته تزوَّجت عتيق بن عابد المخزومي، ثم مات عنها عتيق، وكانت من أرفع بيوت قريش وأوسطها نسبًا وحسبًا، وولدت له السيدة خديجة كلَّ أولاده وبناته باستثناء إبراهيم؛ فقد ولدته مارية القبطية (الجارية التي أهداها المقوقس عظيم مصر إلى النبي) ولم يتزوج- صلى الله عليه وسلم- أخرى حتى ماتت السيدة خديجة عن خمس وستين سنة، بينما كان عليه السلام قد تخطَّى الخمسين سنة.
* السيدة سودة بنت زمعة (رضي الله عنها وأرضاها): تزوجت في الجاهلية بالسكران بن عمرو بن عبد شمس (ابن عمها) وأسلما بمكة وخرجا مهاجرَين إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، ثم قدما من الحبشة، ومات السكران بمكة، وترمَّلت زوجته السيدة سودة، فلما انقضت عدتها أرسل لها النبي صلى الله عليه وسلم فخطبها وتزوجها بمكة، وهاجرت معه إلى المدينة.
* السيدة عائشة (رضي الله عنها وأرضاها): بنت أبي بكر، الصدِّيقة بنت الصديق، التي نزلت براءتها من فوق سبع سماوات، وكانت صغيرةَ السن وأقربَ زوجاتِه إلى قلبِه، وهي الزوجةُ البكر الوحيدة التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت حافظةً واعيةً فقيهةً، تعلَّم منها جمعٌ كثير من الصحابة.
* السيدة حفصة (رضي الله عنها وأرضاها): بنت عمر بن الخطاب، الصوَّامة القوَّامة تحب الله ورسوله، كانت قد تزوجت خنيس بن حذافة السهمي الذي أسلم معها وهاجر بها إلى المدينة فمات عنها- عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة أحد- متأثرًا بإصابته في الغزوة، وعندما انقضت عدتها عرض عمر على أبي بكر الصديق أن يزوِّجه ابنته حفصة، فسكت أبو بكر، ثم عرضها على عثمان بن عفان، لكن الله أراد أن تكون من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.
* زينب بنت خزيمة (رضي الله عنها وأرضاها): أم المساكين، تزوجت ابن عم النبي عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف رضي الله عنه، الذي استُشهد في يوم بدر وتركها وحيدة لا عائل لها، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم.
* أم سلمة (رضي الله عنها وأرضاها): واسمها هند بنت سهيل بن المغيرة المخزومي، استُشهِد زوجُها أبو سلمة، وخلَّف وراءه السيدة أم سلمة وكثرة من الأطفال، فلما انقضت عدتها أرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فخطبها.
* أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب (رضي الله عنها وأرضاها): تزوجت عبيد الله بن جحش بن خزيمة، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية.. وهناك فُتن عبيد الله في دينه فارتدَّ عن الإسلام وثبتت هي- رضي الله عنها- على دينها رغم الغربة والوحشة والوحدة فأكرمها رسول الله وعوضها عن الزوج الذي ارتدَّ.
*زينب بنت جحش الأسدي (رضي الله عنها وأرضاها): بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أي أنها من أعرق وأشرف بيوت قريش وأرفعها نسبًا وشرفًا.
* صفية بنت حُيي بن أخطب (رضي الله عنها وأرضاها): بنت زعيم اليهود، حيث وقعت في الأسر بعد فتح خيبر، وكان أبوها وأخوها وزوجها قد قُتلوا في المعركة، ورفقًا ورحمةً بها خيَّرها الرسول صلى الله عليه وسلم بين إطلاق سراحها وإلحاقها بقومها إن أرادت البقاء على يهوديتها وبين الزواج منه إن أسلمت فأسلمت وتزوجها النبي.
*السيدة جويرية بنت الحارث بن ضرار (رضي الله عنها وأرضاها): بنت زعيم بني المصطلق، فقد حارب أبوها المسلمين، ولحقت به هزيمةٌ منكرةٌ كادت تتسبب في فناء قبيلته أو إذلالهم أبد الدهر، فقد سقط المئات من بني المصطلق أسرى، ومنهم السيدة جويرية بنت الحارث.. وجاءت إليه فقالت: "يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث سيدِ قومه.. وقد أصابني من الأمر ما قد علمت (تقصد الأسر والذل) فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبني على تسع أواقٍ، فأعِنِّي في فكاكي (تطلب معاونته صلى الله عليه وسلم في دفع المتفق عليه لتحريرها من الأسر) فقال لها صلى الله عليه وسلم: أو خير من ذلك؟ فسألته: ما هو؟ فقال صلى الله عليه وسلم أؤدِّي عنك كتابك وأتزوجك، فقالت: نعم يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: "قد فعلت".
*ماريا بنت شمعون المصرية (رضي الله عنها وأرضاها): هي ماريـة بنت شمعون القبطيـة، أهداها له المقوقس القبطي صاحب الإسكندرية ومصر، وذلك سنة سبع من الهجرة، أسلمت على يدي حاطـب بن أبي بلتعة وهو قادم بها من مصر الى المدينـة، وكانت -رضي الله عنها- بيضاء جميلة، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يطؤها بملك اليمين، وضرب عليها الحجاب، وفي ذي الحجـة سنة ثمان ولدت له إبراهيم الذي عاش قرابـة السنتيـن، وكانت أمها روميّة، ولها أخـت قدمت معها اسمها سيرين، أهداها النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- لشاعره حسّان بن ثابت، وقد أسلمت أيضاً مع أختها...
*ميمونة بنت الحارث (رضي الله عنها وأرضاها): هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهرم الهلالية آخر من تزوج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. أمها هند بنت عوف بن زهير أكرم امرأة في الأرض أصهاراً: أصهارها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الصديق، وحمزة والعباس ابنا عبد المطلب وجعفر وعلي ابنا أبي طالب. أخواتها لأمها وأبيها: أم الفضل زوج العباس ولبابة الصغرى أم خالد بن الوليد وأخواتها لأمها: زينب بنت خزيمة الهلالية أم المؤمنين وأسماء بنت عميس زوج جعفر بن أبي طالب ثم أبي بكر ثم علي، وسلمى بنت عميس زوج حمزة بن عبد المطلب.
قيل: إنها التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وفيها نزلت: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي …) تزوجها صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء عام 7هـ،
توفيت بعد عودتها من الحج بسرف ودفنت حيث أوصت في موضع قبتها هناك سنة إحدى وخمسين وصلى عليها ابن أختها عبد الله بن العباس: تقول عنها السيدة عائشة: (ذهبت والله ميمونة .. أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم ) .
أولاده
اختلفت أقوال المحدثين والمؤرخين في أولاده صلَّى الله عليه وسلم، فمنهم من عدَّهم ستًّا ومنهم من عدَّهم سبعًا، والاختلاف الحاصل مرجعه إلى كمِّ عدد أولاده الذكور، لكن بنات النبي صلى الله عليه وسلم أربع باتفاق المؤرخين, وهن: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة, وجميعهن من السيدة خديجة.
والأبناء قيل: القاسم وعبد الله من السيدة خديجة, وإبراهيم من مارية، وقيل القاسم والطيب والطاهر.
عمومته
كان لعبدِ المطلب بن هاشم 12 ولدًا، أكبرهم هو الحارث، وكان يكنى به، وقد جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير (3/354) عن الزهري قوله عن عبد الله- والد الرسول صلى الله عليه وسلم-: "وكان أجمل رجال قريش، وهو أخو الحارث والزبير وحمزة وضرار وأبي طالب (واسمه عبد مناف)، وأبي لهب (واسمه عبد العزى)، والمقوم (واسمه عبد الكعبة) وقيل هما اثنان، وحجل (واسمه المغيرة) والغيداق (وهو كثير الجود، واسمه نوفل) ويقال إنه حجل، والعباس.. فهؤلاء أعمامه"، وبعض المؤرخين أضافوا رجلاً آخر واسمه قثم بن عبد المطلب كما جاء في (الروض الأنف) (1/439).
وكان أكبر أعمام النبي هو الحارث بن عبد المطلب ولم يدرك الإسلام، وقيل إن الزبير وضرارًا كذلك لم يدركا الإسلام، وقد ذكر المؤرخون أنه لم يدرك الإسلامَ من أعمامِ النبي الكريم إلا أربعةٌ: حمزة والعباس وأبو طالب وأبو لهب، أسلم منهم اثنان وكفر اثنان.
وأما عماته فهن: صفية، وأروى، عاتكة، وأم حكيم (وهي البيضاء)، أميمة.
أخواله
هم بنو زهرة أخوال النبي عليه وآله الصلاة والسلام، تلك الأسرةُ القرشيةُ الأصيلةُ ذات الشأن العظيم والمقام العالي الفخيم، تلك القبيلة التي كانت أقربَ الأسر القرشية قربًا وصلةً ومودةً ببني هاشم، كانت تسكن مع بني هاشم في جهة واحدة من مكة المشرفة دون غيرها من سائر قريش، وكانت دائمًا في صفٍّ واحدٍ جنبًا إلى جنب مع إخوتها وأبناء عمومتها من الأسرة الهاشمية؛ حيث إن بينهما صلةَ قرابة من جهة زهرة وقصي ابني كلاب، وكذا عبد مناف بن قصي بن كلاب وعبد مناف بن زهرة بن كلاب (سميا بالمنافين لعلو شانهما).
ويكفي فخرًا لـ(بني زهرة) أن جعل الله منها والدة المصطفى محمد، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة.
وبعد الإسلام كان النبي محمد عندما يقدم عليه خاله عمير بن وهب يفرش له رداءه، ويجلسه عليه، فقال له عمير: أأجلس وأنت رسول الله؟.. فكان رسول الله يكرمه ويقدمه، بل كان النبي يتباهى بسيدنا سعد بن أبي وقاص الزهري رضي الله عنه عندما كان يقدم عليه أمام أصحابه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة "هذا خالي فليرني امرؤٌ
الاتجاهات الصهيونية
من ابرز الاتجاهات الصهيونية
الصهيونية الدينية:
تقوم الصهيونية على أربعة أسس رئيسة:
ـ الإيمان بالإله الواحد.
ـ الإيمان بأن اليهود هم شعبه المختار.
ـ الإيمان بأن المسيح سوف يرسله الرب لتخليص شعبه والإنسانية.
ـ الإيمان بعودة اليهود إلى وطنهم الأصلي.
ويبني اليهود المتدينون آمال المستقبل من العبرة بالماضي، فهم يفسرون التوراة بأن الإسرائيليين القدماء أضاعوا الأرض المقدسة بسبب ارتكابهم المعاصي ضد الآخرين، وبسبب تخليهم عن إلههم الواحد من أجل آلهة أخرى. واليهودية في جوهرها، دين ميثاق أو عهد. وإن اختلف هذا العهد من جيل إلى جيل، فهو دائماً يبقى عقداً بين الشعب والله، فالله وعدهم بالأرض، وبأن يعيشوا فيها عيشة ازدهار. لكن، في مقابل ذلك، على اليهود من جانبهم أن يقوموا بتنفيذ الشروط الخلقية والمبدئية للعهد، كما يشرحها أنبياء الله في كل عصر. فالصهيونية الدينية تختلف عن الصهيونية السياسية التي قرر رجالها في مؤتمر بازل سنة 1897 العودة إلى الأرض المقدسة، ولم ينتظروا المعجزة الإلهية، حيث أن الصهاينة المتدينين لا يرون في أي مؤتمر سياسي طريقاً للعودة. وهم، أكثر من ذلك، لا يرون حتى في عذاب الهولوكوست ومعسكرات النازية، سبباً للعودة، فالعودة إن لم تقترن بالإرادة الإلهية، أي بقدوم المسيح الجديد، هي عودة باطلة.
الصهيونية الدينية، إذا، براغماتياً، نهج يصعب جداً ترجمته إلى حركة سياسة فاعلة، ومن هذا المنطلق، يرى الصهاينة المتدينون أن قيام (إسرائيل) الدولة قيام باطل، لأنه جاء بناء على قرار سياسي لا تطبيقاً لشروط الوعد الإلهي.
وظهرت مواقف وأقوال متعددة من قبل اليهود، تشرح وجهة النظر الدينية الأرثوذكسية، كان من أولها عريضة بتسيبرغ الصادرة سنة 1885 التي جاء فيها "نحن لا نعتبر أنفسنا شعب بل جماعة دينية، ولذلك فنحن لا نتوقع عودة إلى فلسطين".
الصهيونية الثقافية ـ الروحية:
الصهيونية الثقافية، أو الصهيونية الروحية، كما يطلق عليها أيضاً، تنبع فلسفتها في القومية اليهودية من أولوية التراث الثقافي والخلقي، واللغة العبرية، وعلى الرغم من الأهمية التي تعطيها لقضية تجميع اليهود في أرض الأجداد، فإنها ترفض، من أجل الحصول على الأرض، إدعاء الصهيونية السياسية بحجة معاداة السامية واستفحالها، أو بالأوضاع المتردية التي تحيط باليهود اقتصادياً وسياسياً، وعوضاً عن ذلك، فهي ترى أن أعظم تهديد لبقاء اليهود في العقد الأخير من القرن التاسع عشر خاصة، يكمن في الضعف الداخلي للمجتمعات اليهودية، وفي فقدانها أي إحساس بوحدتها، وفي تداعي إمساكها بالقيم التقليدية والمثاليات والآمال.
قبل ظهور هيرتزل، برز عدد من المفكرين اليهود الذين أكدوا أهمية العامل الثقافي في بعث روح القومية اليهودية، ومن أبرزهم موشى هس، وبيريز سمولنسكين، وكذلك كان للتوجه التراثي أهمية بارزة في جمعية "أحباء صهيون"، إلا أن الفضل في تطوير مضامين الصهيونية الثقافية، فكراً وتوجيهاً، يعود إلى أحاد هاعام الذي كان يشدد على اللغة العبرية والقيم اليهودية التاريخية. مستفيداً في ذلك من تجربة استقلال البلدان الأوروبية التي بدأت فكريا بانفصال اللغات عن اللغة اللاتينية مما عزز الشعور الوطني والقومي لدى الشعوب ونمى إحساسها بكيانها وبالتالي دفعها للقيام بالثورات لنيل الحرية.
انتقد أحاد هاعام ، في مقاله "الطريق الخطأ" الذي نشره سنة 1889 سياسة الاستيطان في فلسطين، وقال أن "لا أمل بنجاح حركة الاستيطان، ما لم توقف وسائلها بإغراء القادمين عن طريق الخداع والأوهام بطرح المكاسب الذاتية، وتتوجه عوضاً من ذلك إلى إيقاظ وطنيتهم اليهودية الخفية، وحبهم لصهيون، لأنهم هكذا فقط يستمدون قوة معنوية لمواجهة صعوبات الحياة التي تجابههم في أرض الأجداد".
شن آحاد هاعام حرباً صحافية على مؤتمر بازل الذي كان أحد حضوره واتهم هيرتزل بإهمال الجانب الثقافي الذي كان يرى في إحيائه الضمانة الوحيدة ضد الاندماج، وأظهر خشيته أن تؤدي الحملة الدبلوماسية إلى إجهاض العمل قبل الأوان.
الصهيونية العملية ـ البراغماتية:
اشتهرت الصهيونية العملية كمصطلح في تاريخ الحركة الصهيونية، وكحركة نشيطة ذات برنامج واحد، بعد صعود هيرتزل وصعود برنامجه السياسي معه، فالصهاينة العمليون كانوا يرون في النشاط الدبلوماسي اللاهث وراء وعود وضمانات دولية مضيعة للوقت، لذلك عارضوا هيرتزل، وحصروا جهودهم في تنمية المستعمرات داخل فلسطين، والعمل على زيادة الهجرة إليها، حتى تفرض سياسة الأمر الواقع نفسها. إلا أن هذا لا ينفي وجود بدايات، ولو متعثرة، للصهيونية العملية، تندرج في نشاطات الحركة التي عرفت باسم "أحباء صهيون".
(لمزيد من التفاصيل راجع جمعية "أحباء صهيون").
الصهيونية السياسية:
اصطلاح يستخدم للتمييز بين البدايات الصهيونية مع جمعية "أحباء صهيون" التي كانت شبه ارتجالية تعتمد على صدقات أغنياء اليهود وبين صهيونية هيرتزل التي حولت المسألة اليهودية إلى مشكلة سياسية، وخلقت حركة منظمة محددة الأهداف والوسائل.
وتعتبر الدعوات الفكرية التي أطلقها رواد الصهيونية، ولاسيما بنسكر، حجر الأساس في قيام الصهيونية السياسية التي أطلقها هيرتزل سنة 1897، وبمعنى آخر، فالصهيونية السياسية كانت قائمة، لكن في عالم النظريات، حتى جاء هيرتزل وحولها إلى حركة سياسية.
وهناك من يكتفي بالإشارة إلى الصهيونية السياسية بالصهيونية فقط، غير أن نعتها بالسياسية قد نجم عن معارضة الصهاينة العمليين والثقافيين لهيرتزل، مما أدى إلى تمييز دعوته ونهجه على أساس كونها "الصهيونية السياسية" أو "الصهيونية الدبلوماسية".
وقد أدرك هيرتزل إمكانية الاستفادة من المخططات الإمبريالية الغربية في مسعاه لاستعمار فلسطين نظراً لتفكك السلطنة العثمانية والتسابق الإمبريالي المحموم على المستعمرات وعلى فلسطين بوجه خاص. إلا أن الفرصة لم تسنح إلا خلال الحرب العالمية الأولى عندما اتضح أن العرب يتجهون نحو الاستقلال والوحدة، الأمر الذي يهدد المصالح الإمبريالية، فكان وعد بلفور والزواج الإمبريالي البريطاني الصهيوني المعروف. وقد أثرت الصهيونية السياسية على جميع التيارات الصهيونية بشكل أو بآخر.
الصهيونية العمالية (الاشتراكية)
يركز الصهاينة العماليون أو الاشتراكيون على الجانب الاقتصادي والاجتماعي في وضع اليهود الناتج عن فقدان القدرة على الاندماج، لا على الجانب الديني من المسألة اليهودية. ولعل أهم تيارات المدرسة الصهيونية العمالية هي مدرسة غوردون التي ركزت على فكرة اقتحام الأرض والعمل كوسيلة من وسائل التخلص من عقد المنفى ووسيلة عملية لغزو الأرض وصهر القومية اليهودية الجديدة.
وقد بادر رواد "الهجرة اليهودية الثانية" إلى إنشاء منظمات عمالية عديدة مثل عمال صهيون والعامل الفتي والحارس الفتي والتي تحولت في فترة لاحقة إلى أحزاب عمالية رئيسية من المستوطنين الصهيونيين تمخضت عنها منظمات اقتصادية سياسية مثل الهستدروت والكيبوتز والهاغاناة والبالماخ والتي شكلت بمجموعها الأدوات الرئيسية لعملية الغزو الصهيوني لفلسطين.
وهناك اتجاهات صهيونية أخرى لم يكن لها انتشار بين اليهود لأسباب كثيرة، منها هيمنة الصهيونية السياسية على تطور الفكر الصهيوني الذي حقق الهدف الأساسي للصهيونية في إقامة (دولة إسرائيل) ومن هذه الاتجاهات الصهيونية: "الصهيونية الإقليمية" و"الصهيونية التنقيحية" و"الصهيونية التوفيقية" و"صهيونية الدياسبورا" و"الصهيونية الراديكالية" و"الصهيونية العمومية" و"الصهيونية الكولونيالية".
تأمُّلات في الخطاب الإسلامي المعاصر
سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله
الخطاب في حركة الدَّعوة
أسلوب الحكمة
الإسلام رسالةُ اللهِ للإنسان
مشاكل الخطاب المعاصر
بين السنن الكونية والغيب
الخطاب التقليدي
مشاكل المنهج التوفيقي
نقد المنهجين التقليدي والتوفيقي
الإسلاميّون والعمل السياسيّ
واقع الخطاب الإسلامي وأفقه
الإسلام وتحديات العصر
الخطاب في حركة الدَّعوة:
للخطاب الإسلامي في حركة الدعوة إلى الإسلام، الدور الأساس في انفتاح الوجدان الإنساني على الإسلام، من خلال انسجامه مع مستوى الذهنية العامة في طريقتها في تكوين التصوّرات والانطباعات المتنوّعة، وإدراك القضايا العامة، وتحريك المشاعر والانفعالات، وتقديم المضمون الحيوي الذي يلتقي مع الحاجات الإنسانية، والمنطق العام الذي يرتكز على العقل تارةً، وعلى العاطفة أخرى، وقد يدخل في تزاوج بينهما تبعاً للمفردات التي تختلف حركتها في النفس من خلال التأثيرات المضمونية في علاقتها بالحسّ والعقل والوجدان، وفي نوعية الأسلوب وصلته بالأجواء المهيمنة على الواقع والكلمات المتحركة في الخطاب... ثم حركة الرصد المستمر للمتغيرات في الأحداث والأشخاص والعلاقات والمواقف والمواقع.
إنَّ ذلك هو الخطُّ العام الذي لا بد للخطاب الإسلامي من أن يتمثّل به، في حركة تجدّد دائم في الشكل والمضمون والحركة والمنهج والصوت والصدى، لأنّ الإنسان الذي يتوجّه الخطاب إليه في عقله وقلبه ورغباته ومخاوفه، هو مخلوق متحرك من موقع حركة الإرادة في ذاته، متغيّر تبعاً للمؤثّرات التي تترك آثارها المختلفة على كيانه، ما يجعله بعيداً عن الاستقرار الذاتي الذي يربطه باللون الواحد، والمضمون المحدّد، والشكل الخاص، والمنهج الثابت، وهذا هو الذي يفرض التوازن بين خصوصية الخطاب وخصوصية الإنسان.
الخطاب الإسلامي لا بد أن يكون في حركة تجدّد دائم في الشكل والمضمون والحركة والمنهج والصوت والصدى
وربما كان هذا الخطُّ هو ما يقصده علماء البلاغة في تعريفهم للبلاغة في الكلام، أنها "مطابقة الكلام لمقتضى الحال"، حيث يريدون بذلك، أن الكلام البليغ الذي يصلُ بالمتكلم إلى هدفه في اجتذاب الإنسان الآخر إلى مضمونه لتكوين قناعاته على ذلك الأساس، هو الكلام الذي يتوازن فيه المعنى والواقع، بحيث تتطابق الفكرة مع الحاجة، والأسلوب مع الذهنية، ولن يتحقق ذلك له إلاّ إذا كان يملك ثقافة اللّغة في خصوصياتها الإفرادية والتركيبية، وأسرارها الدلالية والإيحائية والإيمائية، وأساليبها التعبيرية، وكان يحيط بالإضافة إلى ذلك بثقافة الواقع على مستوى الإنسان والظروف والأجواء والأوضاع وحركة التغيير لينطلق في خطابه، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى عقل الإنسان وقلبه من أقرب طريق.
أسلوب الحكمة
وقد نستوحي ذلك - في الخطِّ الإسلامي العام - من قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(النحل/125)، فنرى أنّ الحكمة - كما يقولون - هي وضع الشيء في موضعه، "بمعنى عدم خروج السلوك القولي والعملي عن دائرة الواقع في حاجاته وتطلّعاته ومستواه". أما الموعظة الحسنة، فهي الطريقة التي تنفذ إلى العقل بسهولة وإلى القلب بسرعة، وإلى الحياة بيسر وانسجام، من خلال الحسن في مضمون الوعظ الذي هو معنى الوعي في حركة الخطاب، والحسن في الأسلوب الذي هو سر الحركة في اتجاه الوجدان.
الحكمة هي وضع الشيء في موضعه
الموعظة الحسنة، فهي الطريقة التي تنفذ إلى العقل بسهولة وإلى القلب بسرعة
ويأتي الجدال بالتي هي أحسن، ليعبِّر عن حركة الصراع في الدعوة بين فكرها والفكر المضادّ، لتنطلق بالطريقة الفضلى، والمنهج الأحسن، والجوّ الأفضل، فلا تثير الحساسيات التي تحوّل الموقف إلى انفعال لا عقل له، وإلى كلامٍ لا معنى له، وإلى حديثٍ لا فكر له، ولا يحرّك التعقيدات التي تغلق نافذة العقل عن الحقيقة من خلال العصبية العمياء، وتبتعد بالفكر عن التركيز من خلال الفوضى، وتثير المشاكل على أساس نوازع الشرِّ في الذات، بل تتجه إلى العقل لتفتحه، وإلى القلب لتجتذبه، وإلى الواقع لتحتويه، فلا تكون ساحة الصراع مفتوحة على الحقد والخصام، بل على التكامل والتفاهم للوصول إلى الحقيقة هنا وهناك.
الإسلام رسالةُ اللهِ للإنسان
ثمَّة حقيقة "حيوية" في الإسلام، وهي أنه رسالة الله إلى الإنسان، والّتي أراد للرسول أن يجعل منها نوراً يخرج بها هذا الإنسان من كهوف الظلمات إلى ساحة الشمس المشرقة الواسعة، وهدى ينقذه من الضياع، وذكرى ليتذكر حقائق الحياة والغيب والإنسان والدنيا والآخرة، ونافذة على العقل والفكر من أجل وعي الذات والله والحياة. ولذلك، فإنه يتحرَّك من أجل تحويل الإنسان بالفكر، ليكون طاقةً حيّةً منتجةً ومبدعةً، الأمر الذي يفرض عليه أن يعرف كيف يجتذبه إليه، ليرتبط به على قاعدة القناعة التي ترتكز على الفكر والإحساس، وينطلق منه نحو الآفاق الرحبة التي تطلُّ على الله وعلى الحياة والإنسان من خلاله، وهذا هو الذي يجعل من الخطاب الإسلامي عنصر حركة وتغيير، لا عنصر جمود وسكون.
على المسلم في خطابه أن يعرف كيف يجتذب الآخر إليه، ليرتبط به على قاعدة القناعة التي ترتكز على الفكر والإحساس
مشاكل الخطاب المعاصر
وربما نجد أن مشاكل الخطاب الإسلامي المعاصر، تكمن في أن هناك اتجاهين في تجربته الفعلية يحكمان الطابع العام للحركة الإسلامية المعاصرة:
الاتجاه الأول: الخطّ التقليدي الذي ينطلق من مفردات الاجتهادات التاريخية وأساليبها، من دون دراسة المتغيرات الكبيرة التي تحكم الواقع في تطور قضاياه وحاجاته ووسائله وعلاقاته، سواء من ناحية طريقة الحكم وعنوانه وإدارته وتنظيمه، أو من ناحية الأوضاع السياسية التي تحيط به، أو من جانب التحديات الفكرية التي تترك تأثيراتها على المسألة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أو من حيث واقع الاستكبار العالمي المتحالف أبداً مع الكفر العالمي.
إننا نلاحظ أن اللغة التي يتحدّث بها هذا الاتجاه على صعيد المضمون والأسلوب، لا تتناسب مع مفردات اللغة المعاصرة، ونقصد باللغة - هنا - الذهنية التي تتحرك بها وسائل التعبير ومفردات التفكير، لأنّ الذهنية المتنوّعة تمثل حاجزاً عن التفاهم تماماً كما هي اللّغة في طبيعتها، ولهذا انطلقت الرسالات في خط الأنبياء، لتدفعهم إلى أن يخاطبوا الناس بقدر عقولهم، كما جاء في الحديث المأثور عن النبي محمد(ص): «إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم».
اللغة التي يتحدّث بها الخطّ التقليدي في الخطاب الإسلامي على صعيد المضمون والأسلوب، لا تتناسب مع مفردات اللغة المعاصرة
وقد نلاحظ في طريقة هذا الاتجاه، أنَّ بعض دعاته يخلطون بين فقه الدولة والفقه الفردي، فيحاولون تغليب الفقه الخاص الذي يتحرّك من خلال جزئيات القضايا، على الفقه العام الذي يضع الأمة والمجتمع في حساباته، فيخيّل إليك أن على الدولة أن تتجمَّد في دائرة الحالات الفردية، لأن هؤلاء لم يعيشوا _ في ثقافتهم _ تجربة الدولة، بل عاشوا تجربة الإنسان خارج نطاقها، فكانت اجتهاداتهم خاضعةً للظروف الجزئية، كما أنَّ ملاحظاتهم محكومة للتجارب الخاصة.
وهذا هو الذي أربك المسيرة الإسلامية التي اصطدمت في بعض نماذج قياداتها بهذا اللون من التفكير، ما جمّد حركتها، وأبعدها عن مواقع التحديات.
وربما عاش بعض هؤلاء الاستغراق في الجانب الغيـبي المطلق، بحيث تحوَّلت حركة الحياة لديهم إلى حالة غيب، وذلك من خلال التأكيد أن "الإيمان بالغيب" يمثِّل قاعدةً مهمةً من قواعد الإيمان الإسلامي. ولذلك كانت الأجواء الغيبية هي الأجواء الغالبة لديهم في تفسير التاريخ والواقع، وفي تحريك الخطوات نحو المستقبل. ولكننا نلاحظ، في هذا المجال، أنَّ الله _ سبحانه _ قد سنّ للحياة سنناً تحكم حركتها، وخطّط للإنسان، في حياته الفردية والمجتمعية، قوانين عامة في طبيعة علاقته بالوجود من حوله، بحيث أراد للحياة والإنسان، أن يتحركا في دائرة السنن الكونيّة المحدودة، من دون إغفال دور القدرة الإلهية في أن تتدخل في بعض الحالات، لتجمد قانوناً كونياً أو مجتمعياً لمصلحة قضية حيوية تتصل بالمسار الكوني والإنساني، في دائرة الإعجاز أو نحوه.
بين السنن الكونية والغيب
ولذلك، فلن يكون التفسير الطبيعي للأحداث والتطورات والأوضاع العامة، خروجاً عن الإيمان بالغيب، واستغراقاً في الاتجاه المادي؛ لأن حيثيات الطبيعة في دائرة السنن الكونية، والقوانين الطبيعية، هي من غيب الله الذي لا نعرف عمق أسراره، فإذا كانت السببية المادية هي قانون الحركة في الحياة والإنسان، فإن ذلك لا يلغي جانب الغيب فيها، باعتبار أن سرّ السببية في عمق الوجود مما لا نعرف حقيقته، ليبقى غيباً في علم الله.
ليس التفسير الطبيعي للأحداث والتطورات والأوضاع العامة، خروجاً عن الإيمان بالغيب، واستغراقاً في الاتجاه المادي
إن مثل هؤلاء يغفلون عن حقيقة إيمانية حاسمة، وهي أنَّ الله أطلق إرادته في حركة الكون والإنسان، في ما يملك الإنسان رؤيته ووعيه وحركته، وهو الجانب المادي من الوجود، كما أطلقها في ما لا يملك الإنسان سرّه وشهوده وتحركه بإرادته، فهما _ معاً _ مرتبطان بالله، فلا يكون الانفتاح على أحدهما دون الآخر، وذلك انطلاقاً من حقيقة الإيمان التي تفرض على المؤمن الأخذ بهما معاً، بحيث تكون للحياة ماديتها الوجودية، وروحيتها الغيبية. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فإنَّ الاستغراق الغيـبي في الشخصيات القدسية، التي يتحوّل أصحابها إلى مخلوقات غيبية، لا علاقة لهم بالوجود الحسي المادي إلاّ من حيث الشكل، بالدرجة التي قد تتحوّل القضية معها إلى ما يشبه التصوّر الغيـبي لكل ما يحيط بهم، قد يساهم في إبعاد الناس عن الانفتاح على حياتهم من الموقع الإنساني الطبيعي، لأنّ صورتهم ليست صورةً إنسانيةً في ملامحها وتطلّعاتها وحركيتها.
وربما كان السرُّ في هذا الاتجاه، هو فقدان المنهج التوثيقي للتراث الإسلامي، في "الحديث" الذي عاش الكثير من الإرباك في السند والمتن، ما جعل البحث العلمي ضرورياً في توثيق الفكرة في مصدرها ومضمونها، لنستطيع أن نحصل على التكامل الفكري بين خطِّ القرآن وخط السنة، كما هو العمق في الواقع الإسلامي.
وقد تأثَّرت النظرة الاجتماعية والسياسية بالكثير من هذه الأجواء، بحيث ابتعد الكثيرون من هؤلاء الذين يملكون مواقع إسلامية متقدمة، عن وعي الذهنية المعاصرة، فلم يستطيعوا أن ينفذوا إلى عمق الإنسان المعاصر، الأمر الذي أدى إلى حدوث المزيد من الفواصل بينهم وبين الواقع.
وهذا هو الذي يزال الحديث مستمراً عنه، لجهة الهوَّة القائمة بين الحوزة والجامعة، أو بين الوسط الديني والوسط العصري _ إذا صحّ التعبير _ ما يعمل الداعون من العاملين والقياديين على معالجته بالطرق الواقعية، التي تحاول تقريب المفاهيم المختلّفة، والأساليب المتنوّعة لدى كلٍ منهما.
الخطاب التقليدي
وقد نلاحظ _ في هذا الخطّ _ أن الذين ينطلقون فيه، قد يملكون عناوين سياسية كبيرة، تنفتح في شعاراتها على أجواء في مفرداته وحاجاته، وعلى اللغة المعاصرة في طريقة التحرك، وقد يتحرَّكون في الخط الجهادي بالمستوى الذي يتقدمون فيه كلَّ التيارات السياسية الموجودة في الساحة، ما يوحي بأنهم قد يملكون الموقع القيادي في المسألة السياسية.
ولكننا قد نجد _ إلى جانب ذلك _ ضياعاً في المسألة الفكرية على مستوى تحديد الخطِّ والمنهج والمفردات بشكلٍ واضح، على مستوى المشروع الإسلامي الثقافي، لفقدان الوحدة الفكرية في هذا المجال، واستغراق الحركة في الجو السياسي والجهادي، ما يفرض على قادتها أن يواجهوا تحديات المستقبل، بالتخطيط الدقيق للخطاب الثقافي الذي يمثل قاعدة الخطاب السياسي، وينفتح بشمولية وامتداد على المشروع الحضاري الإسلامي، الذي يكفل للمسلم المعاصر الحصول على التصوّر الواضح للخطِّ الإسلامي الحركي في مواجهة الخطوط الأخرى.
مشكلة الخط التقليدي، أنّه يعاني حالةً من الضياع والتمزّق، لأنّه يفكر بطريقة مغايرة للطريقة التي يفكر فيها الإنسان المعاصر. ولذلك فإن التجديد الذي أثاره بعض هؤلاء، كان تجديداً في الشكل لا في الحركة الثقافية، ما جعل دخول الحركة الإسلامية التي تتبناه في الواقع المعاصر، مشكلةً تبحث عن حلّ، لأن خطابها لا يتناسب _ غالباً _ مع تكوين ذهنية الإنسان العامة.
إن التجديد الذي أثاره بعض يعيشون الخطاب التقليدي، كان في الشكل
الاتجاه الثاني: الخطّ التوفيقي بين المضمون الإسلامي والمضمون العصري _ إذا صحَّ التعبير، وهو الذي ينتهجه المثقفون الإسلاميون في انفتاحهم على الخطوط الثقافية المعاصرة المتأثّرة بالتفكير الغربي، في اتجاهاته المتنوعة، في الدوائر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي استطاعت التأثير في المجتمعات الإسلامية، بفعل السيطرة الاستعمارية على الواقع الإسلامي كلّه، ما جعل الكثيرين من المسلمين خاضعين لتأثيرات مفاهيمه وطريقته في الحياة ونظرته إلى الأمور، بحيث وجد الإسلاميون المعاصرون، أن الطريقة الفضلى لاجتذاب هؤلاء المسلمين من جهة، ولإقناع العالم الغربي بواقعية الإسلام، وانفتاحه على تطورات العصر، وقدرته على مواجهة المتغيرات في حركة الحياة، من جهة أخرى، هي في الانسجام مع العناوين الكبرى المطروحة في الساحة المعاصرة الغربية، كالديمقراطية، أو الاشتراكية، أو الاقتصاد الحر، أو قضايا الحريات، وما إلى ذلك من العناوين التي تخضع لقواعد فكرية تختلف مع القاعدة الفكرية الإسلامية، لأنهم لاحظوا إمكانية إخضاع بعض التشريعات الإسلامية لها، أو التوفيق بينها وبين الإسلام.
المنهج التوفيقي: الطريقة الفضلى هي في الانسجام مع العناوين الكبرى المطروحة في الساحة المعاصرة الغربية: كالديمقراطية، أو الاشتراكية
وربما حاول بعض هؤلاء _ أمام ضغط الواقع السياسي المضادّ، الذي قد يجعل من طرح الإسلام كعنوان سياسي للواقع، مشكلة صعبة، و طرحاً غير عملي _ أن يطلقوا شعار دولة بلا دين "الدولة المدنية"، أو "رفض الجمهورية الإسلامية" في المجتمع المتنوّع الذي تتنوع مذاهبه وطوائفه، على أساس مصلحة المسلمين أو الناس الموجودين داخل هذا المجتمع في ذلك، بحيث يتحوّل هذا إلى طرح إسلامي في عمق "قاعدة التزاحم" في المنهج الاجتهادي الأصولي _ في نظر هؤلاء _، ليبقى الإسلام حركة في الدائرة الإيمانية للإنسان المؤمن، بعيداً عن حركة الواقع السياسي الملتزم الذي قد يتحوّل إلى متاهات من الطروحات الخيالية التي قد تقود الناس إلى الضياع.
مشاكل المنهج التوفيقي
وقد تكون المشكلة في خطاب هؤلاء، أنَّهم وقعوا تحت ضغط الواقع الصعب الذي يمثِّله المنهج المعاصر في تأثيره على الذهنية العامة، ولا سيما في المجتمع المسلم الخاضع للسيطرة الغربية بشكل مباشر أو غير مباشر، ما جعل استعارة العناوين التي تملك "الشعبية" الواسعة، حركةً في المناورة، وأسلوباً في المرونة، ووسيلةً من وسائل قبول الناس للحركة الإسلامية، أو للواقع الإسلامي الذي يمثلونه أو يتحركون فيه.
وربما يزداد الضغط الخارجي، عندما تطرح الدول المستكبرة على هذه الحركة الإسلامية المعارضة أو تلك، أن تتبنى، في برنامجها، الأخذ بالديمقراطية كشرطٍ لقبولها في المستقبل السياسي لهذا البلد أو ذاك، الذي تملك هذه الدول _ أو بعضها _ القوة في التأثير على حاضره ومستقبله، الأمر الذي يجعل الحركة الإسلاميّة محكومةً للظروف السياسية الضاغطة، التي تفرض عليها الانسجام مع الطروحات المذكورة، أو اختيار العزلة عن الساحة، ليسيطر عليها الآخرون من غير الإسلاميين. وفي هذا المجال، ربما ينطلق البعض من الغرب لاستقطاب الجهات العلمانية المثقفة، من خلال الطروحات العامة التي تتجاوز الصفة الإسلامية في المسألة السياسية، أو تعارض طرح هذه الصفة من قبيل الحركة الإسلامية.
وربما كان من الضروري التأكيد، أنّ الشخصيات الإسلامية التي قد تأخذ بالأساليب التوفيقية، تختلف في درجة انسجامها مع هذا الخط، سواء من حيث تأثر بعضها بالمضمون الغربي من خلال الاستغراق فيه، أو انفتاح البعض على الأسلوب من باب المرونة، أو تحرّك بعضهم من باب التقية السياسية، أو نحو ذلك مما يتصل بالانفعال بالتيار الفكري أو السياسي الضاغط في هذا الموقع أو ذاك.
إنَّ القضية التي نريد أن نعالجها في هذه المداخلة السريعة، هي أنّه من الضروري للحركات الإسلامية، أن تستند إلى مشروع إسلامي شامل ينطلق منه الخطاب الراهن، بحيث يملك القائمون عليه وضوح رؤية الواقع والأشياء، فلا تكون الحركة في حالة طارئة تحت تأثير ضغطٍ معين لمواجهة عنوان سياسي ضاغطٍ، ما قد يهيئ للتحرك ظروفاً ملائمة للحركة تقودها إلى الانتصار الذي يحقق لها النجاح الكبير قبل أن تستكمل مشروعها، أو تخطط للبرنامج الفكري والعملي الذي تتحرك من خلاله، لأن مشكلة النجاح قبل تثبيت المشروع، وتأكيد المنهج، تجعل الخطاب ارتجالياً سريعاً، وانفعالياً ضعيفاً، وتؤدي إلى حركةٍ ساذجةٍ تملك انتفاخ الشكل وفقر المضمون.
من الضروري الإستناد إلى مشروع إسلامي ينطلق منه الخطاب ، بحيث يملك القائمون عليه وضوح رؤية الواقع والأشياء
نقد المنهجين التقليدي والتوفيقي:
1- المنهج التقليدي:
أما ملاحظتنا على الاتجاه التقليدي الذي يتمظهر في أكثر في شكل، فهي أنه لا يكلف نفسه عناء التفكير في القضايا المطروحة على صعيد الاجتهاد الجديد، الذي قد يكتشف بعض الأخطاء في آراء القدامى من السلف الصالح، الذين قد يكونون خاضعين في اجتهادهم لثقافةٍ ظرفيةٍ محددةٍ، أو تجربةٍ فقهيةٍ معينةٍ، بحيث كان لهذه المؤثرات دور كبير في النتائج، إذ قد تبعد الإنسان عن الاستقلال الفكري في نظرته إلى النص أو القاعدة، الأمر الذي يتيح الفرصة لإعادة نظر المجتهدين المحدثين في المسألة بشكل أكثر عمقاً، وأوسع أفقاً، وأكثر أصالةً، وقد تطرأ بعض العناوين الثانوية التي تغير الموضوع، فيتغيّر الحكم تبعاً له، وقد تتغير الوسائل التي كانت تحقِّق بعض النتائج السلبية والإيجابية، ليكون سلبياً الآن ما كان إيجابياً في الماضي، وبالعكس، كما في مثال حرية الفكر المضادّ في مستوى العقيدة والحركة والحياة، فقد كان الموقف الإسلامي سلبياً بالمطلق، حيث انطلق التحريم لأيِّ قولٍ أو فعلٍ أو موقف يتحدث عن فكر الكفر والضلال أو اتجاهات الانحراف السياسي، حتى إنَّ الفقهاء أجمعوا على تحريم حفظ كتب الضلال بأية وسيلة من الوسائل، وكانت الضغوط العملية الواقعية تتكامل مع الضغوط التشريعية. أما الآن، فقد نلتقي ببعض التحفّظات الواقعية التي قد يتحوّل فيها اضطهاد الفكر الآخر إلى سبب من أسباب حصوله على العطف الشعبي، ما قد يشارك في قوته لديهم، وإثارة التساؤل عنه عندهم، بحيث تنطلق المبادرة في عملية بحثٍ عنه، ودراسةٍ له، وإعجابٍ به، وتفاعل معه، من خلال أنه الفكر المضطهد الذي يثير عطف الناس من حوله، كأي حالة من حالات الاضطهاد.
ومن ناحية أخرى، فإنَّ وسائل الإعلام من جهة، وحركة الضغط السياسية والاقتصادية والإعلامية والأمنية من جهة أخرى، من قبل الدول المستكبرة والكافرة التي تترك تأثيرها في الرأي العالمي الإسلامي بشكل خاص، قد تجعل الموقف الإسلامي في اضطهاد الفكر الآخر ضعيفاً، وتساهم في تقوية هذا الفكر بالمستوى الذي قد يهدّد فيه الكيان الإسلامي، بينما نجد أن إعطاء هذا الفكر حريته في نطاق الواقع المتوازن في خط النظام العام، وتحريك الفكر الإسلامي في اتجاهه، في عملية توعية وحوار وحركة، يمنح الموقف الإسلامي القوة على صعيد المواجهة الحضارية لأصحاب هذا الفكر، ما يساعد في إقناعهم أو إبطال حجتهم أمام الرأي العام الإسلامي والعالمي، كما يضعف الموقف لدى الآخر، وبذلك لا تكون حرية الفكر الباطل وسيلةً من وسائل تقويته، بل قد تكون _ من خلال الخطة الحكيمة _ من وسائل إضعافه، كما قد يكون الاضطهاد سبباً من أسباب تقويته.
ومثال آخر، قد يعيش المسلمون في بعض البلدان التي لا يحكمها الإسلام، أو يحكمها غير المسلمين، أو ينطلق فيها الحكم في وضع مختلط بين المسلمين وغيرهم حسب القانون العام، فقد نلاحظ أن الفتوى المعروفة لدى بعض الفقهاء من الأقدمين، حرّمت الدخول في الوظائف العامة، ولا سيما المتصلة بالجانب العسكري والأمني ونحوها، لحرمة إعانة الظالم وتقويته. لكنّ هذا الأساس في الاستدلال، قد خضع _ في طبيعته _ لنوعية الحكم ونظامه، من خلال شخصية الرجل الواحد المتمثل بالأمير أو الخليفة أو نحو ذلك، بينما نجد الحكم _ في هذه المراحل _ جماعياً، متمثلاً بالمؤسسات التي يشارك فيها جميع المواطنين، ليكون لكل فريق منهم حصة في الحكم. وإذا كانت مشاركة الناس في الحكم _ سابقاً _ تؤدي إلى تقوية الحكم الجائر، فإنها _ في التجربة الحاضرة _ قد تقوي الموقع الإسلامي، أو الخط الإسلامي الحركي الذي يملك أكثر من فرصة لتأكيد مفاهيمه ونشرها وتحريكها في الساحة العامة، بينما تؤدي المقاطعة _ في أكثر حالاتها _ إلى ضعف المسلمين وعجزهم عن تقوية المواقع وتهيئة الظروف الواقعية لمستقبل الحكم الإسلامي، أو للقوة الكبرى في البلد.
تؤدي المقاطعة إعتماداً على المنهج التقليدي إلى ضعف المسلمين وعجزهم عن تقوية المواقع وتهيئة الظروف الواقعية لمستقبل الحكم الإسلامي
الإسلاميّون والعمل السياسيّ
وربما يتصل بهذا الموضوع، دخول الإسلاميين إلى المجالس النيابية القائمة على أساس النظام الديمقراطي الذي يختلف معه النظام الإسلامي في خلفيته الفكرية وفي بعض مرتكزاته، فقد كانت الفتوى حرمة المشاركة فيها، سواء بالتصويت للمرشحين، أو بالترشّح لدخولها، لأنها مجالس تشريعية لتشريع الأحكام والقوانين المخالفة للإسلام. وربما كانت الظروف الماضية لا تسمح بأية إيجابية لمصلحة الإسلام في المشاركة في هذه المجالس تصويتاً ودخولاً، لانعدام الفرصة أمام الإسلاميين للتأثير الإيجابي، بل كانت المسألة سلبيةً على الإسلام، من خلال سيطرة الاستعمار والقوى اللاإسلامية على هذه المجالس، ما يجعل نتائجها التشريعية على نقيض القوانين الإسلامية.
دخول الإسلاميين إلى المجالس النيابية والمشاركة في التصويت بين المواقف الإيجابية والسلبية
أما في المراحل الحاضرة، فإن دخول الإسلاميين يمثل فرصة جيدة للإسلام ليؤكد بعض قوانينه، أو ليمنع بعض القوانين المضادّة، أو ليساعد في بعض القرارات والمشاريع السياسية، في خطِّ المصلحة الإسلامية العامة، أو ليمنع بعض العلاقات الدولية المخالفة لمصالح المسلمين والمستضعفين، كما أن المجلس النيابي يمثِّل منبراً إعلامياً للأصوات الإسلامية في إعلان المواقف الإسلامية، ما قد يجلب لها التأييد على صعيد المجلس أو الرأي العام بما لا يتوفر في موقع آخر.
وإذا كانت حركة التغيير صعبة التحقق على مستوى أسلوب الثورة، فإنّ من الممكن التخطيط المدروس، ولو على مستوى المستقبل، للحصول على الفرص من خلال المؤسسات السياسية، كالمجلس النيابي ونحوه.
وإذا كان البعض يقول: إن المشاركة هنا تعني الاعتراف بشرعية النظام الذي لا شرعية له، فإننا نقول: إنه ليس من الضروري أن تكون القضية بهذا الشكل، لأنّ من الممكن للمسلمين الحديث عن تفسير مشاركتهم في نطاق النقاط التي ذكرناها آنفاً.
وهكذا نلاحظ أن الكثير من القضايا العامة التي اجتهد الفقهاء السابقون فيها، قد تختلف في عناوينها الجديدة، بما يبرر تغيير الاجتهاد فيها على ذلك الأساس. ولهذا، لا بد للتقليديين من الانفتاح على قضايا العصر بروح جديدة، وفهم جديد لمواكبة المتغيرات السياسية والاجتماعية، ليتخذوا منها المواقف التي تتناسب مع طبيعة هذا الموقع أو ذاك.
الكثير من القضايا العامة التي اجتهد الفقهاء السابقون فيها، قد تختلف في عناوينها الجديدة
وهناك نقطة أخرى لا بدَّ للاتجاه التقليدي من دراستها، وهي أنّ صورة الإسلام الإجمالية والتفصيلية التي تقدَّم للناس، لا بد فيها من الانطلاق من الدراسة العلمية الموضوعية التي تدخل في استقراء النصوص الدالة على مفاهيم الإسلام في العقيدة والشريعة والمنهج والحياة، بطريقة دقيقةٍ، على أساس القواعد الصحيحة في التوثيق والاستدلال... ثم المقارنة بينها في حالة التعارض واختلاف المدلولات، للوصول إلى نتيجة حاسمة في التصور الصحيح، حتى لا نأخذ بالأحاديث المخالفة للكتاب في مفهومه الأصيل للحقيقة الدينية، لنؤوّله لحساب هذا الحديث أو ذاك، ولا نخضع لما يخالف العقل من ذلك، أو الحقائق الأساسية للإسلام، لأن المشكلة، أنَّ هناك ركاماً من الأحاديث الموضوعة التي وضعها الغلاة والزنادقة والكذابون، بما يشوِّه الصورة الإسلامية، ويسيء إلى حيوية الإسلام في مفاهيمه، فلا بد من اكتشافه بالوسائل العلمية قبل الأخذ بهذا الحديث أو ذاك كأساس للحكم الإسلامي.
2- المنهج التوفيقي:
أمَّا ملاحظتنا على المنهج التوفيقيّ في الخطاب الإسلامي، فهي في استعارة هذا الاتجاه لعناوين أخرى، مما استحدثه الغرب من تيَّارات متنوّعة لا تخدم أصالة الإسلام من قريب أو بعيد، بل يفتح الذهنية الإسلامية على تلك التيارات من خلال عناوينها التي تأخذ من الإسلام عنوانه، ليجد النَّاس فيها القيمة السياسية التي تمنح الإسلام قيمته، بحيث يخيَّل للمسلمين أنّها تمثِّل أصالة القيمة التي لا بد من تأويل المفهوم الإسلامي لمصلحة مفهومها الذاتي. هذا، مع ملاحظة أخرى: وهي أن لهذه العناوين أبعاداً تتجاوز الأبعاد الإسلامية في تفاصيلها الدقيقة، كما تبتعد عن روحية الإسلام في خلفياته العقائدية، مما لا يمكن للمسلم أن يلتزم به، الأمر الذي يفرض على المستفيدين منها، أن يدخلوا عليها بعض التعديلات والقيود والأجواء التي تخفِّف من تأثيراتها السلبية على واقع التفكير الإسلامي. وفي هذه الحال، قد يواجهون ردود الفعل التي تتّهمهم بخروجهم عن الحدود التي يفرضها هذا المصطلح أو ذاك.
الملاحظة على المنهج التوفيقيّ في الخطاب الإسلامي، فهي في استعارة هذا الاتجاه لعناوين أخرى لا تخدم أصالة الإسلام من قريب أو بعيد
إن الانسحاب من عنوان الإسلام، هنا وهناك، من أجل الضغوط السياسية أو الطائفية التي تفرض التغيير على الإسلاميين في شعاراتهم وفي برامجهم للحصول على رضا الآخرين، يؤدي إلى الدخول في سلسلة تراجعات فكرية وسياسية، لحساب الآخرين، إذا انطلقت الظروف لتفرض أوضاعاً جديدة تجتذب منّا شعارات جديدة في اتجاه إسقاطات عملية للتيار الإسلامي.
ولن يصدّقنا الآخرون الذين يقارنون بين التزامنا بالإسلام ديناً وبين تنازلاتنا عن بعض مفرداته لحساب الأوضاع العامة لديهم، الأمر الذي يجعلهم في حالة شعور بأن خطابنا ليس جدياً، بل هو خطاب ترضية للمجتمع الذي لا يتقبَّل الإيديولوجية الإسلامية لأنها تثير الأحاسيس الطائفية السلبية، فيكون أكثر حذراً من هؤلاء، لأنهم يتحدثون بطريقة لا تنسجم مع التزاماتهم الانتمائية الدينية.
ولعلَّ أفضل تعبير عن هذا الأسلوب التوفيقي الذي يتحرك _ على خلاف خط الالتزام _ لإرضاء الآخرين، هو قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}(البقرة/120)، وقد ذكر اليهود والنصارى كنموذج للفئات المضادَّة، فيمكن لنا أن نضع أي عنوان من عناوين التيارات الأخرى المخالفة للإسلام في قاعدتها وامتداداتها الفكرية والعملية.
وإذا كان هؤلاء يتحدثون _ في مجال الدفاع عن أسلوبهم _ عن المرونة والتقية السياسية والاجتماعية، فإن هناك أكثر من طريقة لا تبتعد عن العنوان الإسلامي، بل تبقى في أسلوبها منفتحة عليه، مع التجديد في الكلمة والجوّ والإيحاء والحركة والتحديث الواعي في الواقع بتطوراته ومتغيراته.
واقع الخطاب الإسلامي وأفقه:
والآن، ما هي سلبيَّات الخطاب الإسلامي؟ وما هي تطلّعاته؟
1- إنَّ هناك الكثير من مفردات هذا الخطاب يثير إشكالات الماضي في قضاياه ومشكلاته، ويعمل على تحريك نزاعاته وخلافاته، لإشغال الساحة بالأوضاع السلبية التي لا علاقة لها بالواقع من قريب أو بعيد، بل قد نجد أنهم يخلقون لنا أكثر من مشكلة أو فتنة قد تعطِّل على الحركة الإسلامية خططها وبرامجها وتحالفاتها مع أكثر من حركة إسلامية أو أي مجتمع إسلامي آخر.
2- إنَّ بعض الإسلاميين يثيرون في خطابهم بين وقت وآخر، قضايا هامشية أمام تحديات الكفر والاستكبار المتَّصلة بالقضايا المصيرية الكبرى، ما يضعف من اندفاع التحدي في ساحة الصراع، ليتضاءل ويضعف تحت تأثير القضايا الصغيرة، وبذلك تدخل الحركة في متاهات الجزئيّات التي تأكل الكليات.
3- إنَّ العنف المسلَّح الذي تأخذ به بعض الحركات الإسلامية كوسيلةٍ وحيدة للوصول إلى النتائج السياسية الحاسمة، قد يدفع بالحركة إلى التطورات السلبية لوسائل العنف، بحيث قد يدفعها الآخرون، من الأنظمة التي تقف ضد الإسلاميين من الداخل، أو من القوى الكبرى المستبدة في الخارج، إلى القيام بأعمال لا تتناسب مع الصورة الأخلاقية العامة للمنهج الأخلاقي الإسلامي، ونلاحظ ذلك في خطف الأبرياء أو قتل الأجانب، أو الاعتداء على المثقفين، ونحو ذلك من الأساليب التي قد تكون لها مبرراتها أمام الضغوط القاسية التي تطبق على الحركة الإسلامية، بحيث لا يكون لها مناص إلا القيام بها للدفاع عن مواقعها وأشخاصها، ولكنَّ النتائج السلبية التي قد تترتَّب على ذلك، لا سيما في دائرة الإعلام السلبي، ربما تشوّه صورة الحركة الإسلامية، حتى لدى الناس الذي يتعاطفون معها.
إنَّنا نؤمن بأنَّ العنف الذي يقوم به الإسلاميون في أكثر من موقع، كان ردّ فعل على عنف الأنظمة المحلية في البلاد الإسلامية التي خنقت الحريات، ولم تسمح لمواطنيها بالتحرك السياسي والإعلامي، أو ردّ فعل على خطط القوى المستكبرة التي تحرك أجهزتها الاستخباراتية لإرباك الواقع الإسلامي، ولكن هذه الجهات تعمل على إيقاع الإسلاميين في بعض الأخطاء الكبيرة في ممارساتهم السلبية، بحيث تعزلهم عن الرأي العام في الداخل، وتشوّه صورتهم في الخارج. لذلك، لا بد من دراسة حركة الفعل وردِّ الفعل في خطِّ المواجهة بين الحركة وأعدائها، بحيث تبتعد عن الوقوع في الأخطاء التي تفرض عليها، لتنطلق في خطّتها المرسومة من دون أخطاء ولا مشاكل.
4- إن "البعض" من الإسلاميين لا يزال يأخذ بأساليب الانفعال التي تتحرك في عناوين غير مدروسة، في الوقت الذي تجاوزت المرحلة هذا اللون من الخطاب الانفعالي، لأنّ لكل مرحلة أسلوبها تبعاً لنوعية التحديات التي تمرّ بها، وهذا مما قد يسيء إلى القضايا المصيرية المطروحة في وجدان الرأي العام، الذي يحتاج إلى أسلوب جديد يتميز بالموضوعية والتعقّل والحسابات الدقيقة. إنَّنا لا نقول بعدم حاجة الخطاب إلى جرعة من الحماس الوجداني، والتوتّر الروحي، الذي يمنح الواقع الشعبي حالة من الإثارة، ولكنّنا نتصوّر أنّ الموقف الانفعالي يحتاج إلى الكثير من الحساب العقلي، والنظرة الموضوعية، ليتوازن الخطاب في دائرة العقل والانفعال، حتى لا يغرقنا هذا الانفعال في الخيال، ولا يجمّدنا العقل أو الموضوعية في الأرض الباردة.
5- إنّ هناك قضايا جديدة لا بد للخطاب الإسلامي من أن يتحدث عنها بقوة وإثارة وتركيز، كقضية الحريات الإنسانية، وحقوق الإنسان والتنمية والنمو السكاني والإرهاب والتخلّف، وما يسمى بالنظام العالمي الجديد، حتى لا يضيع المسلمون في متاهات الطروحات والإثارة الإعلامية، والاهتزازات الواقعية المتحركة في هذه المفردات، ولنكون في موقع الفعل الذي يؤكّد مفاهيمه في القضايا، بدلاً من موقع ردّ الفعل الذي يمثِّل خط الدفاع أمام اتهامات الآخرين، فنكون صدىً لهم وللطريقة التي يعالجون بها الأمور، فإنّ ذلك هو الذي يؤكِّد أصالتنا الفكرية والواقعية.
6- إنَّ التحديات التي تواجه الإسلاميين _ والمسلمين جميعاً _ في قضايا الصهيونية والاستكبار العالمي، والظلم الداخلي، تتحرك _ بأجمعها _ في الخط العسكري والأمني والسياسي، الأمر الذي جعل هذا الجانب من الواقع الإسلامي في ساحة الصراع، هو الشغل الشاغل للحركات الإسلامية، بحيث ابتعدت كثيراً عن الجانب الثقافي الذي يمثل التكوين الداخلي الذاتي للحركة الإسلاميّة، كما يقدم صورة الإسلام المشرقة للعالم، ويحرّك الأفكار الإسلامية في مواجهة الأفكار الأخرى الّتي تعمل على إطلاق التحديات في وجه الإسلام.
إننا نعتقد أنَّ التوازن في الخطاب الإسلامي، بين ما هو عسكري وسياسي، وما هو فكري وثقافي، هو الذي يضع هذا الخطاب في إطاره الصحيح، ويحقّق له الكثير من النتائج الإيجابية على صعيد الحاضر والمستقبل في ساحة الصراع الفكري والسياسي والأمني، لأنَّ التحرك الخارجي لا ينطلق بقوة إذا لم يكن البناء الداخلي في الحركة الإسلامية والواقع الإسلامي قوياً في مضمونه، منفتحاً في آفاقه، متوازناً في مواقعه وتطلّعاته وحاجاته وأهدافه، فلا يطغى جانب على جانب، ولا يقوى موقع على حساب إضعاف آخر، إلا في حالات الضرورة.
الكثير من مفردات هذا الخطاب يثير إشكالات الماضي في قضاياه ومشكلاته
إثارة بعض الإسلاميين في خطابهم قضايا هامشية أمام تحديات الكفر والاستكبار يضعف القضايا المصيرية الكبرى
العنف المسلَّح الذي يأخذ به البعض كوسيلةٍ قد يدفع بالحركة إلى التطورات السلبية لوسائل العنف
لقد تجاوزت المرحلة الخطاب الانفعالي ، لأنّ لكل مرحلة أسلوبها
لا بد من أن يركز الخطاب الإسلامي على القضايا الإنسانية العامة
ابتعدت الحركات الإسلامية عن الجانب الثقافي الذي يقدم صورة الإسلام المشرقة للعالم
الإسلام وتحديات العصر
إننا نواجه تحديات كبرى في حجم العالم، لأننا نتعرض _ كمسلمين وكإسلاميين _ لحرب عالمية ثقافية وسياسية وأمنية واقتصادية، فلا بد من أن ندرس مواقع التحدي وأساليبه وأولوياته وخلفياته ونتاجه، لنكون على بصيرة من أمرنا، ووضوح من أفكارنا، وثباتٍ في مواقعنا ومواقفنا، وانفتاح متحرك على الآخرين، في حركة الحوار مع الشعوب، واحترام أمنها، والعمل على التفريق بينها وبين حكومتها، فإننا إذا لم نستطع أن نتفادى عدوان الحكومات، وتبديل ذلك بعلاقات الصداقة القائمة على احترام حقوقنا في مقابل احترام حقوق الآخرين، فإنّ علينا أن نعمل على الوصول إلى علاقات صداقةٍ مع الشعوب، وربما استطعنا من خلال ذلك أن نحقِّق اختراقاً إسلامياً في داخل تلك الدول، الأمر الذي قد يحقق لنا الكثير من النتائج الجيدة لمصلحة قضايانا. وفي ضوء ذلك، قد يكون من الحكمة ومن المصلحة، أن نمتنع عن الخطاب الإسلامي الذي يتضمن التهديد العدواني للشعوب لمجرد أن حكوماتها تضطهدنا، وعن القيام بعمل سلبي ضد بعض مواطنيها الأبرياء، لأنّ ذلك قد يسيء _ بطريقة وبأخرى _ إلى النظرة إلى الإسلام الذي ننتمي إليه، ونتكلم باسمه فضلاً عن مشكلة شرعية في ما نقوم به.
علينا أن نعمل على الوصول إلى علاقات صداقةٍ مع الشعوب
إننا نعرف أن البعض من مجموعات هذه الشعوب يشارك حكوماته في العدوان علينا، وفي التخطيط المضادّ لمصالحنا، ولكننا نخشى أن بعض الممارسات السلبية في الخطاب والممارسة، قد يساعد أجهزة الاستخبارات الدولية التابعة لهذه الدول ضد مصالحنا، سواء في الإعلام أو في الخطط العدوانية الموجهة ضدنا. وليس معنى ذلك أن نقف مكتوفي الأيدي أمام الحرب المعلنة على الإسلاميين في العالم من خلال الاستكبار العالمي والصهيونية العالمية وحلفائهما، فقد تفرض علينا الضرورة الأمنية القيام ببعض الأعمال السلبية من أجل حماية مواقعنا وأهلنا ومجاهدينا، ليكون ذلك رادعاً للعدوان في حركة التوازن الواقعي، ولكن لا بد من أن تكون المسألة مدروسة بشكل دقيق جداً، يراقب الجزئيات حتى على مستوى الفواصل والأرقام، لأنّ القضية ليست عرضاً لعضلات القوة، ولكنها قضية سلامة الإسلام والمسلمين العامة، على مستوى الصورة والحركة والواقع والإنسان.
وأخيراً، إن شخصية المسلم الأخلاقية، وروحيته وانفتاحه على الله، ومحبته للناس، هي القاعدة الأساس في عمق الخطاب الإسلامي الذي هو خلاصة الشخصية الإسلامية في وجود الإنسان المسلم، لأنّ المضمون الفكري أو الروحي أو السياسي، ينبغي أن ينطلق من إنسان مثقَّف بالإسلام، وروحاني في الوجدان، وسياسي في خط التوازن، حتى يكون الخطاب الإسلامي إنساناً ينفتح، ويكون الإنسان خطاباً يتجسد.
إن شخصية المسلم الأخلاقية، وروحيته وانفتاحه على الله، ومحبته للناس، هي القاعدة الأساس في عمق الخطاب الإسلامي
وهذا هو الذي يحقِّق للحركة الاندماج بالإنسان والاتّحاد به، ويدفع بالإنسان إلى أن يكون تجسيداً حياً للإسلام، حتى يرى الناس في الإنسان الإسلام الحركي، ويبصر في الإسلام كل مفاهيم الإنسان وتطلّعاته وتصوراته وحركته في الحياة.
وفي هذا الجو المتحرّك في أكثر من موقع، والمنفتح على أكثر من بعدٍ وأوسع من أفق، ينطلق الخطاب الإسلامي لينقد ذاته وإنسانه وحركته، ويقوم في عملية تجدد دائم، في قلق المعرفة لكل أسلوب جديد، ومستقبل كبير.
أصول المذهب المالكي
نحا الإمام مالك منحى فقهاء أهل المدينة في الأصول التي بنى عليها اجتهاده، واتخذت بعده أساسا لمذهبه. والأدلة التي اعتمدها علماء المدينة في عمومها هي نفس الأدلة التي اعتمدها غيرهم من أهل السنة والجماعة؛ هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وإنما اختلفوا عن غيرهم من أهل الرأي في مدى الاعتماد على الحديث، وشروط قبوله والعمل به، ثم اللجوء إلى القياس ومتى يكون حجة.
1 - الأصول النقلية
2 - الأصول العقلية
3 - النظر المقاصدي في المذهب المالكي
كان للإمام مالك منهج في الاستنباط الفقهي لم يدونه كما دون بعض مناهجه في الرواية، ولكن مع ذلك صرح بكلام قد يستفاد منه بعض منهاجه، فقد ألمح إلى ذلك وهو يتحدث عن كتابه "الموطأ": "فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الصحابة والتابعين ورأيي، وقد تكلمت برأيي، وعلى الاجتهاد، وعلى ما أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، ولم أخرج من جملتهم إلى غيره"(1).
فهذه العبارة من الإمام تشير إلى بعض الأصول التي استند إليها في اجتهاداته واستنباطاته الفقهية وهي: السنة، وقول الصحابة، وقول التابعين، والرأي والاجتهاد، ثم عمل أهل المدينة.
ولقد صنع فقهاء المذهب المالكي في فقه مالك ما صنعه فقهاء المذهب الحنفي، فجاؤوا إلى الفروع وتتبعوها، واستخرجوا منها ما يصح أن يكون أصولا قام عليها الاستنباط في مذهب مالك، ودونوا تلك الأصول التي استنبطوها على أنها أصول مالك، فيقولون مثلا: كان يأخذ بمفهوم المخالفة، أو بفحوى الخطاب، أو بظاهر القرآن. كما نجدهم يقولون في كل قاعدة رأي مالك فيها كذا، وليس ذلك ما أخذوه من جملة الفروع.. ومن مجموع تلك الآراء تتكون أصول المذهب المالكي التي قامت عليها أصول المالكية، والتي قام عليها التخريج من المتقدمين والمتأخرين في ذلك المذهب.
ولعل أدق إحصاء لأصول المذهب المالكي هو ما ذكره "القرافي" في كتابه "شرح تنقيح الفصول" حيث ذكر أن أصول المذهب هي القرآن والسنة والإجماع وإجماع أهل المدينة والقياس وقول الصحابي والمصلحة المرسلة والعرف والعادات وسد الذرائع والاستصحاب والاستحسان(2)
1 - الأصول النقلية
القرآن الكريم: يلتقي الإمام مع جميع الأئمة المسلمين في كون كتاب الله عز وجل هو أصل الأصول، ولا أحد أنزع منه إليه، يستدل بنصه، وبظاهره ويعتبر السنة تبيانا له.
السنة النبوية: أما السنة ومفهومها عند الإمام مالك فطبيعي أن يسير في فهمها على ما سار عليه السلف وعامة المحدثين الذي كان من أئمتهم وأقطابهم، غير أنه ربما عمم في السنة لتشمل ما يعرف عند علماء الحديث بالمأثور. وهو بهذا المعنى يعطي لعمل أهل المدينة وإجماعهم مكانة خاصة، ويجعل من قبيل السنة كذلك فتاوى الصحابة، وفتاوى كبار التابعين الآخذين عنهم، كسعيد بن المسيب، ومحمد بن شهاب الزهري، ونافع، ومن في طبقتهم ومرتبتهم العلمية، كبقية الفقهاء السبعة.
عمل أهل المدينة: من الأصول التي انفرد بها مالك واعتبرها من مصادر فقه الأحكام والفتاوى. وقسم الإمام الباجي عمل المدينة إلى قسمين: قسم طريقه النقل الذي يحمل معنى التواتر كمسألة الأذان، ومسألة الصاع، وترك إخراج الزكاة من الخضروات، وغير ذلك من المسائل التي طريقها النقل واتصل العمل بها في المدينة على وجه لا يخفى مثله، ونقل نقلا يحج ويقطع العذر. وقسم نقل من طريق الآحاد، أو ما أدركوه بالاستنباط والاجتهاد، وهذا لا فرق فيه بين علماء المدينة، وعلماء غيرهم من أن المصير منه إلى ما عضده الدليل والترجيح. ولذلك خالف مالك في مسائل عدة أقوال أهل المدينة(3).
الإجماع: لعل مالكا أكثر الأئمة الأربعة ذكرا للإجماع واحتجاجا به، والموطأ خير شاهد على ذلك. أما مدلول كلمة الإجماع عنده فقد قال: "وما كان فيه الأمر المجتمع عليه فهو ما اجتمع عليه أهل الفقه والعلم ولم يختلفوا فيه"(4).
شرع من قبلنا: ذهب مالك على أن شرع من قبلنا شرع لنا.
2 - الأصول العقلية
كان للإمام مالك منهج اجتهادي متميز يختلف عن منهج الفقهاء الآخرين، وهو وإن كان يمثل مدرسة الحديث في المدينة ويقود تيارها، فقد كان يأخذ بالرأي ويعتمد عليه، وأحيانا توسع في الرأي أكثر ما توسع فيه فقهاء الرأي في العراق، كاستعماله الرأي والقياس فيما اتضح معناه من الحدود والكفارات مما لم يقل به علماء المذهب الحنفي. ومن الأصول العقلية المعتمدة في المذهب المالكي:
القياس: يعتبر القياس على الأحكام الواردة في الكتاب المحكم والسنة المعمول بها، طبقا للمنهج الذي قاس عليه علماء التابعين من قبله.
الاستحسان: لقد اشتهر على ألسنة فقهاء المذهب المالكي قولهم: "ترك القياس والأخذ بما هو أرفق بالناس" إشارة إلى أصل الاستحسان؛ لأن الاستحسان في المذهب المالكي كان لدفع الحرج الناشئ من اطراد القياس، أي أن معنى الاستحسان طلب الأحسن للاتباع.
المصالح المرسلة: من أصول مذهب مالك المصالح المرسلة، ومن شرطها ألا تعارض نصا. فالمصالح المرسلة التي لا تشهد لها أصول عامة وقواعد كلية منثورة ضمن الشريعة، بحيث تمثل هذه المصلحة الخاصة واحدة من جزئيات هذه الأصول والقواعد العامة.
سد الذرائع: هذا أصل من الأصول التي أكثر مالك الاعتماد عليه في اجتهاده الفقهي، ومعناه المنع من الذرائع أي المسألة التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل ممنوع، أي أن حقيقة سد الذرائع التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة..
العرف والعادة: إن العرف أصل من أصول الاستنباط عند مالك، وقد انبنت عليه أحكام كثيرة؛ لأنه في كثير من الأحيان يتفق مع المصلحة، والمصلحة أصل بلا نزاع في المذهب المالكي.
الاستصحاب: كان مالك يأخذ بالاستصحاب كحجة، و مؤدى هذا الأصل هو بقاء الحال على ما كان حتى يقوم دليل يغيره.
قاعدة مراعاة الخلاف: من بين الأصول التي اختلف المالكية بشأنها "قاعدة مراعاة الخلاف"، فمنهم من عدها من الأصول ومنهم من أنكرها. ومعناها "إعمال دليل في لازم مدلول الذي أعمل في نقيضه دليل آخر" (5) . ومثاله: إعمال المجتهد دليل خصمه القائل بعدم فسخ نكاح الشغار في لازم مدلوله الذي هو ثبوت الإرث بين الزوجين المتزوجين بالشغار فيما إذا مات أحدهما. فالمدلول هو عدم الفسخ وأعمل مالك في نقيضه وهو الفسخ دليل آخر. فمذهب مالك وجوب الفسخ وثبوت الإرث إذا مات أحدهما (6) .
3 - النظر المقاصدي في المذهب المالكي
إن الإمام مالكا عندما يطلق الرأي يعني به فقهه الذي يكون بعضه رأيا اختاره من مجموع آراء التابعين، وبعضه رأيا قد قاسه على ما علم، ومن ثم فإن باب أصول فقه الرأي عنده هو ما عليه أهل المدينة وعلم الصحابة والتابعين. ويمكن تلخيص ذلك في قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد التي عليها مدار مقاصد الشريعة الإسلامية، فهذا هو أساس الرأي عنده مهما تعددت ضروبه واختلفت أسماؤه. إن أخص ما امتاز فقه مالك هو رعاية المصلحة واعتبارها، لهذا فهي عمدة فقه الرأي عنده اتخذها أصلا للاستنباط مستقلا
تاريخ المذهب المالكي
المذهب المالكي عبارة عما أصله الإمام مالك بن أنس من أصول مجتهدا في اعتمادها، وما درج عليه أصحابه ومتبعوه، ولو خالفوه في الفروع المبنية على تلك الأصول، إذ الاعتبار أن يدور اجتهادهم مقيدا بأصول الإمام مالك
لقد مر المذهب المالكي بخمس مراحل: مرحلة التأسيس، ومرحلة التفريع، ومرحلة التطبيق، ثم مرحلة التنقيح والنقد(1)، ثم مرحلة الجمع والاختصار.
مرحلة التأسيس: هي مرحلة تأصيل قواعد هذا المذهب على يد صاحبه مالك بن أنس، الذي عمل على تمهيد الطريق لمن جاء بعده، وذلك بتأصيل الأصول وتقعيد القواعد، ورسم المنهج العام الذي سلكه أتباعه من بعده، فإشاراته إلى مآخذ الفقه وأصوله، هي التي اتخذها أهل الأصول من أصحابه معالم اهتدوا بها، وقواعد بنوا عليها.
وهكذا، فإن أصول المذهب استقرائية، تبعا لملاحظة تلامذة الإمام مالك طريقة اجتهاده، ولا سيما ما ورد في الموطأ من فتاوى وأحكام، وما كان ينقل عنه من أجوبة، فاستخلصوا من كل ذلك ما ينبني المذهب عليه. ذلك أن الإمام مالكا لم يحدد هذه الأصول بنفسه بالكيفية التي يذكرها الأصوليون.
مرحلة التفريع: ويقصد به بناء الفرع على أصله، واستنباط حكمه منه(2)، وذلك داخل المذهب.وهذه المرحلة هي التي ظهر فيها أتباع الإمام مالك وتلامذته، آخذين بمنهجه، ومؤسسين الإفتاء في الحوادث والوقائع بربطها بأصوله وقواعده.
تبتدئ هذه المرحلة من نهاية القرن الثاني الهجري وتستمر إلى منتصف القرن الثالث، وفيها توسع نفوذ المذهب، وامتد إلى جهات أخرى كالعراق ومصر وإفريقية والأندلس على يد تلاميذ الإمام مالك الذين تكونت بهم وعلى أيديهم المدرسة المالكية، وأصبح لها منظرون في المذهب، يفرعون المسائل الجزئية على ما أصله الإمام في الأحكام العملية، وبدأ التدوين على نطاق واسع.
وتعد المدونة الكبرى برواية سحنون عن عبد الرحمن بن القاسم النواة الأولى لمرحلة التفريع، ثم جاءت بعدها "الواضحة" لعبد الله بن حبيب في الأندلس، ثم العتبية والموازية ومختصر ابن عبد الحكم وغيرها... وهي التي تسمى بالأمهات، وستشهد هذه المرحلة اتساع المسائل، وكثرة التفريعات وبروز الاختلاف في الأقوال والطرق، وتقدير الوقائع، والربط بينها وبين الدلائل الإجمالية، الشيء الذي نشأت عنه مرحلة ثالثة بالضرورة وهي:
مرحلة التطبيق: وهي مرحلة النظر فيما أنتجه دور التفريع الفقهي الذي سبق، والاجتهاد في تحقيق المناط في الوقائع المستجدة.
ومما يميز هذه المرحلة كونها اهتمت بدراسة المسائل التي ضمتها مدونات جامعة أنتجتها مرحلة التفريع.فانكب فقهاء هذا العصر على الموازنة بين مختلف تلك المسائل، رابطين الأصول بالفروع، ملحقين الشبيه بالشبيه، ضابطين مواقع الاتفاق والاختلاف بين تلك الأقوال المأثورة عن الفقهاء السابقين. وفي بعض الأحيان قد يجتهدون في المسائل التي ليس فيها حكم عن طريق القياس، وذلك بإدراج ذلك الحكم تحت الكليات المقررة، والقواعد التي ضبطت. وبذلك دخلوا في مرحلة الملاءمة بين ما هو منصوص، وبين ما يتطلبه الواقع الجديد. الأمر الذي أدى إلى بروز اختلافات بين المتأخرين والمتقدمين.
ويصور لنا الفاضل بن عاشور هذه المرحلة بقوله(3): "وظهرت في هذا الدور كتب التهاذيب التي هذبت بها الكتب القديمة، والمختصرات التي لخصت فيها، والشروح التي شرحت بها، ودقق في النظر في المسائل لأجل بيان من الاتفاق والاختلاف، تقر صور النوازل والفتاوى التي تشتمل على الواقعات الحادثة، وعلى بيان ما يرى الفقهاء المتأخرون من رجال دور التطبيق من انطباق أو عدم انطباق لقول من الأقوال المأثورة من المصادر القديمة من دور التفريع على تلك الجزئية الخاصة. وهذا ما أكده أيضا ابن خلدون في مقدمته..
- مرحلة التنقيح: وهي مرحلة تنقيح أقوال المذهب، واعتبار الدليل الأقوى منها رواية ودراية. وأهم تطور يسجل في هذه المرحلة، ظهور حركة نقدية انصبت على أقوال المتقدمين، بقصد إخضاعها للنقد والتمحيص بطريقة مغايرة لما كان سائدا في السابق، فجاء في هذا بمنهج جديد في ميدان نقد الفقه.ومن أبرز الفقهاء الذين تزعموا هذا التيار اللخمي، الذي كان له تأثير واضح فيمن جاء بعده من أمثال المازري وابن بشير وابن رشد الجد وعياض وغيرهم ممن سلك مسلكه في طريقة نقد الفقه، فنقحوا ما أمكنهم تنقيحه من المسائل، وأولوا بعض الروايات حاكمين على صحة بعضها، وضعف البعض الآخر..
- مرحلة الجمع والاختصار: وهذه المرحلة جاءت بعد استقرار المناهج، والنظر في الفروع الفقهية تخريجا وتطبيقا وتنقيحا، وما قام به أعلام المذهب من اجتهادات. وهكذا ظهر مختصر بن شاس المسمى "الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة". ومختصر ابن الحاجب المسمى "بجامع الأمهات". وجاء بعده "مختصر الشيخ خليل" ..
وهكذا أصبح المتأخرون دائرين في فلك المتقدمين، عاكفين على ما انتهى إليهم من أقاويل من تقدمهم، لا يتعدون دائرة الشرح والاختصار..
تأمُّلات في الخطاب الإسلامي المعاصر
سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله
الخطاب في حركة الدَّعوة
أسلوب الحكمة
الإسلام رسالةُ اللهِ للإنسان
مشاكل الخطاب المعاصر
بين السنن الكونية والغيب
الخطاب التقليدي
مشاكل المنهج التوفيقي
نقد المنهجين التقليدي والتوفيقي
الإسلاميّون والعمل السياسيّ
واقع الخطاب الإسلامي وأفقه
الإسلام وتحديات العصر
الخطاب في حركة الدَّعوة:
للخطاب الإسلامي في حركة الدعوة إلى الإسلام، الدور الأساس في انفتاح الوجدان الإنساني على الإسلام، من خلال انسجامه مع مستوى الذهنية العامة في طريقتها في تكوين التصوّرات والانطباعات المتنوّعة، وإدراك القضايا العامة، وتحريك المشاعر والانفعالات، وتقديم المضمون الحيوي الذي يلتقي مع الحاجات الإنسانية، والمنطق العام الذي يرتكز على العقل تارةً، وعلى العاطفة أخرى، وقد يدخل في تزاوج بينهما تبعاً للمفردات التي تختلف حركتها في النفس من خلال التأثيرات المضمونية في علاقتها بالحسّ والعقل والوجدان، وفي نوعية الأسلوب وصلته بالأجواء المهيمنة على الواقع والكلمات المتحركة في الخطاب... ثم حركة الرصد المستمر للمتغيرات في الأحداث والأشخاص والعلاقات والمواقف والمواقع.
إنَّ ذلك هو الخطُّ العام الذي لا بد للخطاب الإسلامي من أن يتمثّل به، في حركة تجدّد دائم في الشكل والمضمون والحركة والمنهج والصوت والصدى، لأنّ الإنسان الذي يتوجّه الخطاب إليه في عقله وقلبه ورغباته ومخاوفه، هو مخلوق متحرك من موقع حركة الإرادة في ذاته، متغيّر تبعاً للمؤثّرات التي تترك آثارها المختلفة على كيانه، ما يجعله بعيداً عن الاستقرار الذاتي الذي يربطه باللون الواحد، والمضمون المحدّد، والشكل الخاص، والمنهج الثابت، وهذا هو الذي يفرض التوازن بين خصوصية الخطاب وخصوصية الإنسان.
الخطاب الإسلامي لا بد أن يكون في حركة تجدّد دائم في الشكل والمضمون والحركة والمنهج والصوت والصدى
وربما كان هذا الخطُّ هو ما يقصده علماء البلاغة في تعريفهم للبلاغة في الكلام، أنها "مطابقة الكلام لمقتضى الحال"، حيث يريدون بذلك، أن الكلام البليغ الذي يصلُ بالمتكلم إلى هدفه في اجتذاب الإنسان الآخر إلى مضمونه لتكوين قناعاته على ذلك الأساس، هو الكلام الذي يتوازن فيه المعنى والواقع، بحيث تتطابق الفكرة مع الحاجة، والأسلوب مع الذهنية، ولن يتحقق ذلك له إلاّ إذا كان يملك ثقافة اللّغة في خصوصياتها الإفرادية والتركيبية، وأسرارها الدلالية والإيحائية والإيمائية، وأساليبها التعبيرية، وكان يحيط بالإضافة إلى ذلك بثقافة الواقع على مستوى الإنسان والظروف والأجواء والأوضاع وحركة التغيير لينطلق في خطابه، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى عقل الإنسان وقلبه من أقرب طريق.
أسلوب الحكمة
وقد نستوحي ذلك - في الخطِّ الإسلامي العام - من قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(النحل/125)، فنرى أنّ الحكمة - كما يقولون - هي وضع الشيء في موضعه، "بمعنى عدم خروج السلوك القولي والعملي عن دائرة الواقع في حاجاته وتطلّعاته ومستواه". أما الموعظة الحسنة، فهي الطريقة التي تنفذ إلى العقل بسهولة وإلى القلب بسرعة، وإلى الحياة بيسر وانسجام، من خلال الحسن في مضمون الوعظ الذي هو معنى الوعي في حركة الخطاب، والحسن في الأسلوب الذي هو سر الحركة في اتجاه الوجدان.
الحكمة هي وضع الشيء في موضعه
الموعظة الحسنة، فهي الطريقة التي تنفذ إلى العقل بسهولة وإلى القلب بسرعة
ويأتي الجدال بالتي هي أحسن، ليعبِّر عن حركة الصراع في الدعوة بين فكرها والفكر المضادّ، لتنطلق بالطريقة الفضلى، والمنهج الأحسن، والجوّ الأفضل، فلا تثير الحساسيات التي تحوّل الموقف إلى انفعال لا عقل له، وإلى كلامٍ لا معنى له، وإلى حديثٍ لا فكر له، ولا يحرّك التعقيدات التي تغلق نافذة العقل عن الحقيقة من خلال العصبية العمياء، وتبتعد بالفكر عن التركيز من خلال الفوضى، وتثير المشاكل على أساس نوازع الشرِّ في الذات، بل تتجه إلى العقل لتفتحه، وإلى القلب لتجتذبه، وإلى الواقع لتحتويه، فلا تكون ساحة الصراع مفتوحة على الحقد والخصام، بل على التكامل والتفاهم للوصول إلى الحقيقة هنا وهناك.
الإسلام رسالةُ اللهِ للإنسان
ثمَّة حقيقة "حيوية" في الإسلام، وهي أنه رسالة الله إلى الإنسان، والّتي أراد للرسول أن يجعل منها نوراً يخرج بها هذا الإنسان من كهوف الظلمات إلى ساحة الشمس المشرقة الواسعة، وهدى ينقذه من الضياع، وذكرى ليتذكر حقائق الحياة والغيب والإنسان والدنيا والآخرة، ونافذة على العقل والفكر من أجل وعي الذات والله والحياة. ولذلك، فإنه يتحرَّك من أجل تحويل الإنسان بالفكر، ليكون طاقةً حيّةً منتجةً ومبدعةً، الأمر الذي يفرض عليه أن يعرف كيف يجتذبه إليه، ليرتبط به على قاعدة القناعة التي ترتكز على الفكر والإحساس، وينطلق منه نحو الآفاق الرحبة التي تطلُّ على الله وعلى الحياة والإنسان من خلاله، وهذا هو الذي يجعل من الخطاب الإسلامي عنصر حركة وتغيير، لا عنصر جمود وسكون.
على المسلم في خطابه أن يعرف كيف يجتذب الآخر إليه، ليرتبط به على قاعدة القناعة التي ترتكز على الفكر والإحساس
مشاكل الخطاب المعاصر
وربما نجد أن مشاكل الخطاب الإسلامي المعاصر، تكمن في أن هناك اتجاهين في تجربته الفعلية يحكمان الطابع العام للحركة الإسلامية المعاصرة:
الاتجاه الأول: الخطّ التقليدي الذي ينطلق من مفردات الاجتهادات التاريخية وأساليبها، من دون دراسة المتغيرات الكبيرة التي تحكم الواقع في تطور قضاياه وحاجاته ووسائله وعلاقاته، سواء من ناحية طريقة الحكم وعنوانه وإدارته وتنظيمه، أو من ناحية الأوضاع السياسية التي تحيط به، أو من جانب التحديات الفكرية التي تترك تأثيراتها على المسألة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أو من حيث واقع الاستكبار العالمي المتحالف أبداً مع الكفر العالمي.
إننا نلاحظ أن اللغة التي يتحدّث بها هذا الاتجاه على صعيد المضمون والأسلوب، لا تتناسب مع مفردات اللغة المعاصرة، ونقصد باللغة - هنا - الذهنية التي تتحرك بها وسائل التعبير ومفردات التفكير، لأنّ الذهنية المتنوّعة تمثل حاجزاً عن التفاهم تماماً كما هي اللّغة في طبيعتها، ولهذا انطلقت الرسالات في خط الأنبياء، لتدفعهم إلى أن يخاطبوا الناس بقدر عقولهم، كما جاء في الحديث المأثور عن النبي محمد(ص): «إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم».
اللغة التي يتحدّث بها الخطّ التقليدي في الخطاب الإسلامي على صعيد المضمون والأسلوب، لا تتناسب مع مفردات اللغة المعاصرة
وقد نلاحظ في طريقة هذا الاتجاه، أنَّ بعض دعاته يخلطون بين فقه الدولة والفقه الفردي، فيحاولون تغليب الفقه الخاص الذي يتحرّك من خلال جزئيات القضايا، على الفقه العام الذي يضع الأمة والمجتمع في حساباته، فيخيّل إليك أن على الدولة أن تتجمَّد في دائرة الحالات الفردية، لأن هؤلاء لم يعيشوا _ في ثقافتهم _ تجربة الدولة، بل عاشوا تجربة الإنسان خارج نطاقها، فكانت اجتهاداتهم خاضعةً للظروف الجزئية، كما أنَّ ملاحظاتهم محكومة للتجارب الخاصة.
وهذا هو الذي أربك المسيرة الإسلامية التي اصطدمت في بعض نماذج قياداتها بهذا اللون من التفكير، ما جمّد حركتها، وأبعدها عن مواقع التحديات.
وربما عاش بعض هؤلاء الاستغراق في الجانب الغيـبي المطلق، بحيث تحوَّلت حركة الحياة لديهم إلى حالة غيب، وذلك من خلال التأكيد أن "الإيمان بالغيب" يمثِّل قاعدةً مهمةً من قواعد الإيمان الإسلامي. ولذلك كانت الأجواء الغيبية هي الأجواء الغالبة لديهم في تفسير التاريخ والواقع، وفي تحريك الخطوات نحو المستقبل. ولكننا نلاحظ، في هذا المجال، أنَّ الله _ سبحانه _ قد سنّ للحياة سنناً تحكم حركتها، وخطّط للإنسان، في حياته الفردية والمجتمعية، قوانين عامة في طبيعة علاقته بالوجود من حوله، بحيث أراد للحياة والإنسان، أن يتحركا في دائرة السنن الكونيّة المحدودة، من دون إغفال دور القدرة الإلهية في أن تتدخل في بعض الحالات، لتجمد قانوناً كونياً أو مجتمعياً لمصلحة قضية حيوية تتصل بالمسار الكوني والإنساني، في دائرة الإعجاز أو نحوه.
بين السنن الكونية والغيب
ولذلك، فلن يكون التفسير الطبيعي للأحداث والتطورات والأوضاع العامة، خروجاً عن الإيمان بالغيب، واستغراقاً في الاتجاه المادي؛ لأن حيثيات الطبيعة في دائرة السنن الكونية، والقوانين الطبيعية، هي من غيب الله الذي لا نعرف عمق أسراره، فإذا كانت السببية المادية هي قانون الحركة في الحياة والإنسان، فإن ذلك لا يلغي جانب الغيب فيها، باعتبار أن سرّ السببية في عمق الوجود مما لا نعرف حقيقته، ليبقى غيباً في علم الله.
ليس التفسير الطبيعي للأحداث والتطورات والأوضاع العامة، خروجاً عن الإيمان بالغيب، واستغراقاً في الاتجاه المادي
إن مثل هؤلاء يغفلون عن حقيقة إيمانية حاسمة، وهي أنَّ الله أطلق إرادته في حركة الكون والإنسان، في ما يملك الإنسان رؤيته ووعيه وحركته، وهو الجانب المادي من الوجود، كما أطلقها في ما لا يملك الإنسان سرّه وشهوده وتحركه بإرادته، فهما _ معاً _ مرتبطان بالله، فلا يكون الانفتاح على أحدهما دون الآخر، وذلك انطلاقاً من حقيقة الإيمان التي تفرض على المؤمن الأخذ بهما معاً، بحيث تكون للحياة ماديتها الوجودية، وروحيتها الغيبية. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فإنَّ الاستغراق الغيـبي في الشخصيات القدسية، التي يتحوّل أصحابها إلى مخلوقات غيبية، لا علاقة لهم بالوجود الحسي المادي إلاّ من حيث الشكل، بالدرجة التي قد تتحوّل القضية معها إلى ما يشبه التصوّر الغيـبي لكل ما يحيط بهم، قد يساهم في إبعاد الناس عن الانفتاح على حياتهم من الموقع الإنساني الطبيعي، لأنّ صورتهم ليست صورةً إنسانيةً في ملامحها وتطلّعاتها وحركيتها.
وربما كان السرُّ في هذا الاتجاه، هو فقدان المنهج التوثيقي للتراث الإسلامي، في "الحديث" الذي عاش الكثير من الإرباك في السند والمتن، ما جعل البحث العلمي ضرورياً في توثيق الفكرة في مصدرها ومضمونها، لنستطيع أن نحصل على التكامل الفكري بين خطِّ القرآن وخط السنة، كما هو العمق في الواقع الإسلامي.
وقد تأثَّرت النظرة الاجتماعية والسياسية بالكثير من هذه الأجواء، بحيث ابتعد الكثيرون من هؤلاء الذين يملكون مواقع إسلامية متقدمة، عن وعي الذهنية المعاصرة، فلم يستطيعوا أن ينفذوا إلى عمق الإنسان المعاصر، الأمر الذي أدى إلى حدوث المزيد من الفواصل بينهم وبين الواقع.
وهذا هو الذي يزال الحديث مستمراً عنه، لجهة الهوَّة القائمة بين الحوزة والجامعة، أو بين الوسط الديني والوسط العصري _ إذا صحّ التعبير _ ما يعمل الداعون من العاملين والقياديين على معالجته بالطرق الواقعية، التي تحاول تقريب المفاهيم المختلّفة، والأساليب المتنوّعة لدى كلٍ منهما.
الخطاب التقليدي
وقد نلاحظ _ في هذا الخطّ _ أن الذين ينطلقون فيه، قد يملكون عناوين سياسية كبيرة، تنفتح في شعاراتها على أجواء في مفرداته وحاجاته، وعلى اللغة المعاصرة في طريقة التحرك، وقد يتحرَّكون في الخط الجهادي بالمستوى الذي يتقدمون فيه كلَّ التيارات السياسية الموجودة في الساحة، ما يوحي بأنهم قد يملكون الموقع القيادي في المسألة السياسية.
ولكننا قد نجد _ إلى جانب ذلك _ ضياعاً في المسألة الفكرية على مستوى تحديد الخطِّ والمنهج والمفردات بشكلٍ واضح، على مستوى المشروع الإسلامي الثقافي، لفقدان الوحدة الفكرية في هذا المجال، واستغراق الحركة في الجو السياسي والجهادي، ما يفرض على قادتها أن يواجهوا تحديات المستقبل، بالتخطيط الدقيق للخطاب الثقافي الذي يمثل قاعدة الخطاب السياسي، وينفتح بشمولية وامتداد على المشروع الحضاري الإسلامي، الذي يكفل للمسلم المعاصر الحصول على التصوّر الواضح للخطِّ الإسلامي الحركي في مواجهة الخطوط الأخرى.
مشكلة الخط التقليدي، أنّه يعاني حالةً من الضياع والتمزّق، لأنّه يفكر بطريقة مغايرة للطريقة التي يفكر فيها الإنسان المعاصر. ولذلك فإن التجديد الذي أثاره بعض هؤلاء، كان تجديداً في الشكل لا في الحركة الثقافية، ما جعل دخول الحركة الإسلامية التي تتبناه في الواقع المعاصر، مشكلةً تبحث عن حلّ، لأن خطابها لا يتناسب _ غالباً _ مع تكوين ذهنية الإنسان العامة.
إن التجديد الذي أثاره بعض يعيشون الخطاب التقليدي، كان في الشكل
الاتجاه الثاني: الخطّ التوفيقي بين المضمون الإسلامي والمضمون العصري _ إذا صحَّ التعبير، وهو الذي ينتهجه المثقفون الإسلاميون في انفتاحهم على الخطوط الثقافية المعاصرة المتأثّرة بالتفكير الغربي، في اتجاهاته المتنوعة، في الدوائر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي استطاعت التأثير في المجتمعات الإسلامية، بفعل السيطرة الاستعمارية على الواقع الإسلامي كلّه، ما جعل الكثيرين من المسلمين خاضعين لتأثيرات مفاهيمه وطريقته في الحياة ونظرته إلى الأمور، بحيث وجد الإسلاميون المعاصرون، أن الطريقة الفضلى لاجتذاب هؤلاء المسلمين من جهة، ولإقناع العالم الغربي بواقعية الإسلام، وانفتاحه على تطورات العصر، وقدرته على مواجهة المتغيرات في حركة الحياة، من جهة أخرى، هي في الانسجام مع العناوين الكبرى المطروحة في الساحة المعاصرة الغربية، كالديمقراطية، أو الاشتراكية، أو الاقتصاد الحر، أو قضايا الحريات، وما إلى ذلك من العناوين التي تخضع لقواعد فكرية تختلف مع القاعدة الفكرية الإسلامية، لأنهم لاحظوا إمكانية إخضاع بعض التشريعات الإسلامية لها، أو التوفيق بينها وبين الإسلام.
المنهج التوفيقي: الطريقة الفضلى هي في الانسجام مع العناوين الكبرى المطروحة في الساحة المعاصرة الغربية: كالديمقراطية، أو الاشتراكية
وربما حاول بعض هؤلاء _ أمام ضغط الواقع السياسي المضادّ، الذي قد يجعل من طرح الإسلام كعنوان سياسي للواقع، مشكلة صعبة، و طرحاً غير عملي _ أن يطلقوا شعار دولة بلا دين "الدولة المدنية"، أو "رفض الجمهورية الإسلامية" في المجتمع المتنوّع الذي تتنوع مذاهبه وطوائفه، على أساس مصلحة المسلمين أو الناس الموجودين داخل هذا المجتمع في ذلك، بحيث يتحوّل هذا إلى طرح إسلامي في عمق "قاعدة التزاحم" في المنهج الاجتهادي الأصولي _ في نظر هؤلاء _، ليبقى الإسلام حركة في الدائرة الإيمانية للإنسان المؤمن، بعيداً عن حركة الواقع السياسي الملتزم الذي قد يتحوّل إلى متاهات من الطروحات الخيالية التي قد تقود الناس إلى الضياع.
مشاكل المنهج التوفيقي
وقد تكون المشكلة في خطاب هؤلاء، أنَّهم وقعوا تحت ضغط الواقع الصعب الذي يمثِّله المنهج المعاصر في تأثيره على الذهنية العامة، ولا سيما في المجتمع المسلم الخاضع للسيطرة الغربية بشكل مباشر أو غير مباشر، ما جعل استعارة العناوين التي تملك "الشعبية" الواسعة، حركةً في المناورة، وأسلوباً في المرونة، ووسيلةً من وسائل قبول الناس للحركة الإسلامية، أو للواقع الإسلامي الذي يمثلونه أو يتحركون فيه.
وربما يزداد الضغط الخارجي، عندما تطرح الدول المستكبرة على هذه الحركة الإسلامية المعارضة أو تلك، أن تتبنى، في برنامجها، الأخذ بالديمقراطية كشرطٍ لقبولها في المستقبل السياسي لهذا البلد أو ذاك، الذي تملك هذه الدول _ أو بعضها _ القوة في التأثير على حاضره ومستقبله، الأمر الذي يجعل الحركة الإسلاميّة محكومةً للظروف السياسية الضاغطة، التي تفرض عليها الانسجام مع الطروحات المذكورة، أو اختيار العزلة عن الساحة، ليسيطر عليها الآخرون من غير الإسلاميين. وفي هذا المجال، ربما ينطلق البعض من الغرب لاستقطاب الجهات العلمانية المثقفة، من خلال الطروحات العامة التي تتجاوز الصفة الإسلامية في المسألة السياسية، أو تعارض طرح هذه الصفة من قبيل الحركة الإسلامية.
وربما كان من الضروري التأكيد، أنّ الشخصيات الإسلامية التي قد تأخذ بالأساليب التوفيقية، تختلف في درجة انسجامها مع هذا الخط، سواء من حيث تأثر بعضها بالمضمون الغربي من خلال الاستغراق فيه، أو انفتاح البعض على الأسلوب من باب المرونة، أو تحرّك بعضهم من باب التقية السياسية، أو نحو ذلك مما يتصل بالانفعال بالتيار الفكري أو السياسي الضاغط في هذا الموقع أو ذاك.
إنَّ القضية التي نريد أن نعالجها في هذه المداخلة السريعة، هي أنّه من الضروري للحركات الإسلامية، أن تستند إلى مشروع إسلامي شامل ينطلق منه الخطاب الراهن، بحيث يملك القائمون عليه وضوح رؤية الواقع والأشياء، فلا تكون الحركة في حالة طارئة تحت تأثير ضغطٍ معين لمواجهة عنوان سياسي ضاغطٍ، ما قد يهيئ للتحرك ظروفاً ملائمة للحركة تقودها إلى الانتصار الذي يحقق لها النجاح الكبير قبل أن تستكمل مشروعها، أو تخطط للبرنامج الفكري والعملي الذي تتحرك من خلاله، لأن مشكلة النجاح قبل تثبيت المشروع، وتأكيد المنهج، تجعل الخطاب ارتجالياً سريعاً، وانفعالياً ضعيفاً، وتؤدي إلى حركةٍ ساذجةٍ تملك انتفاخ الشكل وفقر المضمون.
من الضروري الإستناد إلى مشروع إسلامي ينطلق منه الخطاب ، بحيث يملك القائمون عليه وضوح رؤية الواقع والأشياء
نقد المنهجين التقليدي والتوفيقي:
1- المنهج التقليدي:
أما ملاحظتنا على الاتجاه التقليدي الذي يتمظهر في أكثر في شكل، فهي أنه لا يكلف نفسه عناء التفكير في القضايا المطروحة على صعيد الاجتهاد الجديد، الذي قد يكتشف بعض الأخطاء في آراء القدامى من السلف الصالح، الذين قد يكونون خاضعين في اجتهادهم لثقافةٍ ظرفيةٍ محددةٍ، أو تجربةٍ فقهيةٍ معينةٍ، بحيث كان لهذه المؤثرات دور كبير في النتائج، إذ قد تبعد الإنسان عن الاستقلال الفكري في نظرته إلى النص أو القاعدة، الأمر الذي يتيح الفرصة لإعادة نظر المجتهدين المحدثين في المسألة بشكل أكثر عمقاً، وأوسع أفقاً، وأكثر أصالةً، وقد تطرأ بعض العناوين الثانوية التي تغير الموضوع، فيتغيّر الحكم تبعاً له، وقد تتغير الوسائل التي كانت تحقِّق بعض النتائج السلبية والإيجابية، ليكون سلبياً الآن ما كان إيجابياً في الماضي، وبالعكس، كما في مثال حرية الفكر المضادّ في مستوى العقيدة والحركة والحياة، فقد كان الموقف الإسلامي سلبياً بالمطلق، حيث انطلق التحريم لأيِّ قولٍ أو فعلٍ أو موقف يتحدث عن فكر الكفر والضلال أو اتجاهات الانحراف السياسي، حتى إنَّ الفقهاء أجمعوا على تحريم حفظ كتب الضلال بأية وسيلة من الوسائل، وكانت الضغوط العملية الواقعية تتكامل مع الضغوط التشريعية. أما الآن، فقد نلتقي ببعض التحفّظات الواقعية التي قد يتحوّل فيها اضطهاد الفكر الآخر إلى سبب من أسباب حصوله على العطف الشعبي، ما قد يشارك في قوته لديهم، وإثارة التساؤل عنه عندهم، بحيث تنطلق المبادرة في عملية بحثٍ عنه، ودراسةٍ له، وإعجابٍ به، وتفاعل معه، من خلال أنه الفكر المضطهد الذي يثير عطف الناس من حوله، كأي حالة من حالات الاضطهاد.
ومن ناحية أخرى، فإنَّ وسائل الإعلام من جهة، وحركة الضغط السياسية والاقتصادية والإعلامية والأمنية من جهة أخرى، من قبل الدول المستكبرة والكافرة التي تترك تأثيرها في الرأي العالمي الإسلامي بشكل خاص، قد تجعل الموقف الإسلامي في اضطهاد الفكر الآخر ضعيفاً، وتساهم في تقوية هذا الفكر بالمستوى الذي قد يهدّد فيه الكيان الإسلامي، بينما نجد أن إعطاء هذا الفكر حريته في نطاق الواقع المتوازن في خط النظام العام، وتحريك الفكر الإسلامي في اتجاهه، في عملية توعية وحوار وحركة، يمنح الموقف الإسلامي القوة على صعيد المواجهة الحضارية لأصحاب هذا الفكر، ما يساعد في إقناعهم أو إبطال حجتهم أمام الرأي العام الإسلامي والعالمي، كما يضعف الموقف لدى الآخر، وبذلك لا تكون حرية الفكر الباطل وسيلةً من وسائل تقويته، بل قد تكون _ من خلال الخطة الحكيمة _ من وسائل إضعافه، كما قد يكون الاضطهاد سبباً من أسباب تقويته.
ومثال آخر، قد يعيش المسلمون في بعض البلدان التي لا يحكمها الإسلام، أو يحكمها غير المسلمين، أو ينطلق فيها الحكم في وضع مختلط بين المسلمين وغيرهم حسب القانون العام، فقد نلاحظ أن الفتوى المعروفة لدى بعض الفقهاء من الأقدمين، حرّمت الدخول في الوظائف العامة، ولا سيما المتصلة بالجانب العسكري والأمني ونحوها، لحرمة إعانة الظالم وتقويته. لكنّ هذا الأساس في الاستدلال، قد خضع _ في طبيعته _ لنوعية الحكم ونظامه، من خلال شخصية الرجل الواحد المتمثل بالأمير أو الخليفة أو نحو ذلك، بينما نجد الحكم _ في هذه المراحل _ جماعياً، متمثلاً بالمؤسسات التي يشارك فيها جميع المواطنين، ليكون لكل فريق منهم حصة في الحكم. وإذا كانت مشاركة الناس في الحكم _ سابقاً _ تؤدي إلى تقوية الحكم الجائر، فإنها _ في التجربة الحاضرة _ قد تقوي الموقع الإسلامي، أو الخط الإسلامي الحركي الذي يملك أكثر من فرصة لتأكيد مفاهيمه ونشرها وتحريكها في الساحة العامة، بينما تؤدي المقاطعة _ في أكثر حالاتها _ إلى ضعف المسلمين وعجزهم عن تقوية المواقع وتهيئة الظروف الواقعية لمستقبل الحكم الإسلامي، أو للقوة الكبرى في البلد.
تؤدي المقاطعة إعتماداً على المنهج التقليدي إلى ضعف المسلمين وعجزهم عن تقوية المواقع وتهيئة الظروف الواقعية لمستقبل الحكم الإسلامي
الإسلاميّون والعمل السياسيّ
وربما يتصل بهذا الموضوع، دخول الإسلاميين إلى المجالس النيابية القائمة على أساس النظام الديمقراطي الذي يختلف معه النظام الإسلامي في خلفيته الفكرية وفي بعض مرتكزاته، فقد كانت الفتوى حرمة المشاركة فيها، سواء بالتصويت للمرشحين، أو بالترشّح لدخولها، لأنها مجالس تشريعية لتشريع الأحكام والقوانين المخالفة للإسلام. وربما كانت الظروف الماضية لا تسمح بأية إيجابية لمصلحة الإسلام في المشاركة في هذه المجالس تصويتاً ودخولاً، لانعدام الفرصة أمام الإسلاميين للتأثير الإيجابي، بل كانت المسألة سلبيةً على الإسلام، من خلال سيطرة الاستعمار والقوى اللاإسلامية على هذه المجالس، ما يجعل نتائجها التشريعية على نقيض القوانين الإسلامية.
دخول الإسلاميين إلى المجالس النيابية والمشاركة في التصويت بين المواقف الإيجابية والسلبية
أما في المراحل الحاضرة، فإن دخول الإسلاميين يمثل فرصة جيدة للإسلام ليؤكد بعض قوانينه، أو ليمنع بعض القوانين المضادّة، أو ليساعد في بعض القرارات والمشاريع السياسية، في خطِّ المصلحة الإسلامية العامة، أو ليمنع بعض العلاقات الدولية المخالفة لمصالح المسلمين والمستضعفين، كما أن المجلس النيابي يمثِّل منبراً إعلامياً للأصوات الإسلامية في إعلان المواقف الإسلامية، ما قد يجلب لها التأييد على صعيد المجلس أو الرأي العام بما لا يتوفر في موقع آخر.
وإذا كانت حركة التغيير صعبة التحقق على مستوى أسلوب الثورة، فإنّ من الممكن التخطيط المدروس، ولو على مستوى المستقبل، للحصول على الفرص من خلال المؤسسات السياسية، كالمجلس النيابي ونحوه.
وإذا كان البعض يقول: إن المشاركة هنا تعني الاعتراف بشرعية النظام الذي لا شرعية له، فإننا نقول: إنه ليس من الضروري أن تكون القضية بهذا الشكل، لأنّ من الممكن للمسلمين الحديث عن تفسير مشاركتهم في نطاق النقاط التي ذكرناها آنفاً.
وهكذا نلاحظ أن الكثير من القضايا العامة التي اجتهد الفقهاء السابقون فيها، قد تختلف في عناوينها الجديدة، بما يبرر تغيير الاجتهاد فيها على ذلك الأساس. ولهذا، لا بد للتقليديين من الانفتاح على قضايا العصر بروح جديدة، وفهم جديد لمواكبة المتغيرات السياسية والاجتماعية، ليتخذوا منها المواقف التي تتناسب مع طبيعة هذا الموقع أو ذاك.
الكثير من القضايا العامة التي اجتهد الفقهاء السابقون فيها، قد تختلف في عناوينها الجديدة
وهناك نقطة أخرى لا بدَّ للاتجاه التقليدي من دراستها، وهي أنّ صورة الإسلام الإجمالية والتفصيلية التي تقدَّم للناس، لا بد فيها من الانطلاق من الدراسة العلمية الموضوعية التي تدخل في استقراء النصوص الدالة على مفاهيم الإسلام في العقيدة والشريعة والمنهج والحياة، بطريقة دقيقةٍ، على أساس القواعد الصحيحة في التوثيق والاستدلال... ثم المقارنة بينها في حالة التعارض واختلاف المدلولات، للوصول إلى نتيجة حاسمة في التصور الصحيح، حتى لا نأخذ بالأحاديث المخالفة للكتاب في مفهومه الأصيل للحقيقة الدينية، لنؤوّله لحساب هذا الحديث أو ذاك، ولا نخضع لما يخالف العقل من ذلك، أو الحقائق الأساسية للإسلام، لأن المشكلة، أنَّ هناك ركاماً من الأحاديث الموضوعة التي وضعها الغلاة والزنادقة والكذابون، بما يشوِّه الصورة الإسلامية، ويسيء إلى حيوية الإسلام في مفاهيمه، فلا بد من اكتشافه بالوسائل العلمية قبل الأخذ بهذا الحديث أو ذاك كأساس للحكم الإسلامي.
2- المنهج التوفيقي:
أمَّا ملاحظتنا على المنهج التوفيقيّ في الخطاب الإسلامي، فهي في استعارة هذا الاتجاه لعناوين أخرى، مما استحدثه الغرب من تيَّارات متنوّعة لا تخدم أصالة الإسلام من قريب أو بعيد، بل يفتح الذهنية الإسلامية على تلك التيارات من خلال عناوينها التي تأخذ من الإسلام عنوانه، ليجد النَّاس فيها القيمة السياسية التي تمنح الإسلام قيمته، بحيث يخيَّل للمسلمين أنّها تمثِّل أصالة القيمة التي لا بد من تأويل المفهوم الإسلامي لمصلحة مفهومها الذاتي. هذا، مع ملاحظة أخرى: وهي أن لهذه العناوين أبعاداً تتجاوز الأبعاد الإسلامية في تفاصيلها الدقيقة، كما تبتعد عن روحية الإسلام في خلفياته العقائدية، مما لا يمكن للمسلم أن يلتزم به، الأمر الذي يفرض على المستفيدين منها، أن يدخلوا عليها بعض التعديلات والقيود والأجواء التي تخفِّف من تأثيراتها السلبية على واقع التفكير الإسلامي. وفي هذه الحال، قد يواجهون ردود الفعل التي تتّهمهم بخروجهم عن الحدود التي يفرضها هذا المصطلح أو ذاك.
الملاحظة على المنهج التوفيقيّ في الخطاب الإسلامي، فهي في استعارة هذا الاتجاه لعناوين أخرى لا تخدم أصالة الإسلام من قريب أو بعيد
إن الانسحاب من عنوان الإسلام، هنا وهناك، من أجل الضغوط السياسية أو الطائفية التي تفرض التغيير على الإسلاميين في شعاراتهم وفي برامجهم للحصول على رضا الآخرين، يؤدي إلى الدخول في سلسلة تراجعات فكرية وسياسية، لحساب الآخرين، إذا انطلقت الظروف لتفرض أوضاعاً جديدة تجتذب منّا شعارات جديدة في اتجاه إسقاطات عملية للتيار الإسلامي.
ولن يصدّقنا الآخرون الذين يقارنون بين التزامنا بالإسلام ديناً وبين تنازلاتنا عن بعض مفرداته لحساب الأوضاع العامة لديهم، الأمر الذي يجعلهم في حالة شعور بأن خطابنا ليس جدياً، بل هو خطاب ترضية للمجتمع الذي لا يتقبَّل الإيديولوجية الإسلامية لأنها تثير الأحاسيس الطائفية السلبية، فيكون أكثر حذراً من هؤلاء، لأنهم يتحدثون بطريقة لا تنسجم مع التزاماتهم الانتمائية الدينية.
ولعلَّ أفضل تعبير عن هذا الأسلوب التوفيقي الذي يتحرك _ على خلاف خط الالتزام _ لإرضاء الآخرين، هو قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}(البقرة/120)، وقد ذكر اليهود والنصارى كنموذج للفئات المضادَّة، فيمكن لنا أن نضع أي عنوان من عناوين التيارات الأخرى المخالفة للإسلام في قاعدتها وامتداداتها الفكرية والعملية.
وإذا كان هؤلاء يتحدثون _ في مجال الدفاع عن أسلوبهم _ عن المرونة والتقية السياسية والاجتماعية، فإن هناك أكثر من طريقة لا تبتعد عن العنوان الإسلامي، بل تبقى في أسلوبها منفتحة عليه، مع التجديد في الكلمة والجوّ والإيحاء والحركة والتحديث الواعي في الواقع بتطوراته ومتغيراته.
واقع الخطاب الإسلامي وأفقه:
والآن، ما هي سلبيَّات الخطاب الإسلامي؟ وما هي تطلّعاته؟
1- إنَّ هناك الكثير من مفردات هذا الخطاب يثير إشكالات الماضي في قضاياه ومشكلاته، ويعمل على تحريك نزاعاته وخلافاته، لإشغال الساحة بالأوضاع السلبية التي لا علاقة لها بالواقع من قريب أو بعيد، بل قد نجد أنهم يخلقون لنا أكثر من مشكلة أو فتنة قد تعطِّل على الحركة الإسلامية خططها وبرامجها وتحالفاتها مع أكثر من حركة إسلامية أو أي مجتمع إسلامي آخر.
2- إنَّ بعض الإسلاميين يثيرون في خطابهم بين وقت وآخر، قضايا هامشية أمام تحديات الكفر والاستكبار المتَّصلة بالقضايا المصيرية الكبرى، ما يضعف من اندفاع التحدي في ساحة الصراع، ليتضاءل ويضعف تحت تأثير القضايا الصغيرة، وبذلك تدخل الحركة في متاهات الجزئيّات التي تأكل الكليات.
3- إنَّ العنف المسلَّح الذي تأخذ به بعض الحركات الإسلامية كوسيلةٍ وحيدة للوصول إلى النتائج السياسية الحاسمة، قد يدفع بالحركة إلى التطورات السلبية لوسائل العنف، بحيث قد يدفعها الآخرون، من الأنظمة التي تقف ضد الإسلاميين من الداخل، أو من القوى الكبرى المستبدة في الخارج، إلى القيام بأعمال لا تتناسب مع الصورة الأخلاقية العامة للمنهج الأخلاقي الإسلامي، ونلاحظ ذلك في خطف الأبرياء أو قتل الأجانب، أو الاعتداء على المثقفين، ونحو ذلك من الأساليب التي قد تكون لها مبرراتها أمام الضغوط القاسية التي تطبق على الحركة الإسلامية، بحيث لا يكون لها مناص إلا القيام بها للدفاع عن مواقعها وأشخاصها، ولكنَّ النتائج السلبية التي قد تترتَّب على ذلك، لا سيما في دائرة الإعلام السلبي، ربما تشوّه صورة الحركة الإسلامية، حتى لدى الناس الذي يتعاطفون معها.
إنَّنا نؤمن بأنَّ العنف الذي يقوم به الإسلاميون في أكثر من موقع، كان ردّ فعل على عنف الأنظمة المحلية في البلاد الإسلامية التي خنقت الحريات، ولم تسمح لمواطنيها بالتحرك السياسي والإعلامي، أو ردّ فعل على خطط القوى المستكبرة التي تحرك أجهزتها الاستخباراتية لإرباك الواقع الإسلامي، ولكن هذه الجهات تعمل على إيقاع الإسلاميين في بعض الأخطاء الكبيرة في ممارساتهم السلبية، بحيث تعزلهم عن الرأي العام في الداخل، وتشوّه صورتهم في الخارج. لذلك، لا بد من دراسة حركة الفعل وردِّ الفعل في خطِّ المواجهة بين الحركة وأعدائها، بحيث تبتعد عن الوقوع في الأخطاء التي تفرض عليها، لتنطلق في خطّتها المرسومة من دون أخطاء ولا مشاكل.
4- إن "البعض" من الإسلاميين لا يزال يأخذ بأساليب الانفعال التي تتحرك في عناوين غير مدروسة، في الوقت الذي تجاوزت المرحلة هذا اللون من الخطاب الانفعالي، لأنّ لكل مرحلة أسلوبها تبعاً لنوعية التحديات التي تمرّ بها، وهذا مما قد يسيء إلى القضايا المصيرية المطروحة في وجدان الرأي العام، الذي يحتاج إلى أسلوب جديد يتميز بالموضوعية والتعقّل والحسابات الدقيقة. إنَّنا لا نقول بعدم حاجة الخطاب إلى جرعة من الحماس الوجداني، والتوتّر الروحي، الذي يمنح الواقع الشعبي حالة من الإثارة، ولكنّنا نتصوّر أنّ الموقف الانفعالي يحتاج إلى الكثير من الحساب العقلي، والنظرة الموضوعية، ليتوازن الخطاب في دائرة العقل والانفعال، حتى لا يغرقنا هذا الانفعال في الخيال، ولا يجمّدنا العقل أو الموضوعية في الأرض الباردة.
5- إنّ هناك قضايا جديدة لا بد للخطاب الإسلامي من أن يتحدث عنها بقوة وإثارة وتركيز، كقضية الحريات الإنسانية، وحقوق الإنسان والتنمية والنمو السكاني والإرهاب والتخلّف، وما يسمى بالنظام العالمي الجديد، حتى لا يضيع المسلمون في متاهات الطروحات والإثارة الإعلامية، والاهتزازات الواقعية المتحركة في هذه المفردات، ولنكون في موقع الفعل الذي يؤكّد مفاهيمه في القضايا، بدلاً من موقع ردّ الفعل الذي يمثِّل خط الدفاع أمام اتهامات الآخرين، فنكون صدىً لهم وللطريقة التي يعالجون بها الأمور، فإنّ ذلك هو الذي يؤكِّد أصالتنا الفكرية والواقعية.
6- إنَّ التحديات التي تواجه الإسلاميين _ والمسلمين جميعاً _ في قضايا الصهيونية والاستكبار العالمي، والظلم الداخلي، تتحرك _ بأجمعها _ في الخط العسكري والأمني والسياسي، الأمر الذي جعل هذا الجانب من الواقع الإسلامي في ساحة الصراع، هو الشغل الشاغل للحركات الإسلامية، بحيث ابتعدت كثيراً عن الجانب الثقافي الذي يمثل التكوين الداخلي الذاتي للحركة الإسلاميّة، كما يقدم صورة الإسلام المشرقة للعالم، ويحرّك الأفكار الإسلامية في مواجهة الأفكار الأخرى الّتي تعمل على إطلاق التحديات في وجه الإسلام.
إننا نعتقد أنَّ التوازن في الخطاب الإسلامي، بين ما هو عسكري وسياسي، وما هو فكري وثقافي، هو الذي يضع هذا الخطاب في إطاره الصحيح، ويحقّق له الكثير من النتائج الإيجابية على صعيد الحاضر والمستقبل في ساحة الصراع الفكري والسياسي والأمني، لأنَّ التحرك الخارجي لا ينطلق بقوة إذا لم يكن البناء الداخلي في الحركة الإسلامية والواقع الإسلامي قوياً في مضمونه، منفتحاً في آفاقه، متوازناً في مواقعه وتطلّعاته وحاجاته وأهدافه، فلا يطغى جانب على جانب، ولا يقوى موقع على حساب إضعاف آخر، إلا في حالات الضرورة.
الكثير من مفردات هذا الخطاب يثير إشكالات الماضي في قضاياه ومشكلاته
إثارة بعض الإسلاميين في خطابهم قضايا هامشية أمام تحديات الكفر والاستكبار يضعف القضايا المصيرية الكبرى
العنف المسلَّح الذي يأخذ به البعض كوسيلةٍ قد يدفع بالحركة إلى التطورات السلبية لوسائل العنف
لقد تجاوزت المرحلة الخطاب الانفعالي ، لأنّ لكل مرحلة أسلوبها
لا بد من أن يركز الخطاب الإسلامي على القضايا الإنسانية العامة
ابتعدت الحركات الإسلامية عن الجانب الثقافي الذي يقدم صورة الإسلام المشرقة للعالم
الإسلام وتحديات العصر
إننا نواجه تحديات كبرى في حجم العالم، لأننا نتعرض _ كمسلمين وكإسلاميين _ لحرب عالمية ثقافية وسياسية وأمنية واقتصادية، فلا بد من أن ندرس مواقع التحدي وأساليبه وأولوياته وخلفياته ونتاجه، لنكون على بصيرة من أمرنا، ووضوح من أفكارنا، وثباتٍ في مواقعنا ومواقفنا، وانفتاح متحرك على الآخرين، في حركة الحوار مع الشعوب، واحترام أمنها، والعمل على التفريق بينها وبين حكومتها، فإننا إذا لم نستطع أن نتفادى عدوان الحكومات، وتبديل ذلك بعلاقات الصداقة القائمة على احترام حقوقنا في مقابل احترام حقوق الآخرين، فإنّ علينا أن نعمل على الوصول إلى علاقات صداقةٍ مع الشعوب، وربما استطعنا من خلال ذلك أن نحقِّق اختراقاً إسلامياً في داخل تلك الدول، الأمر الذي قد يحقق لنا الكثير من النتائج الجيدة لمصلحة قضايانا. وفي ضوء ذلك، قد يكون من الحكمة ومن المصلحة، أن نمتنع عن الخطاب الإسلامي الذي يتضمن التهديد العدواني للشعوب لمجرد أن حكوماتها تضطهدنا، وعن القيام بعمل سلبي ضد بعض مواطنيها الأبرياء، لأنّ ذلك قد يسيء _ بطريقة وبأخرى _ إلى النظرة إلى الإسلام الذي ننتمي إليه، ونتكلم باسمه فضلاً عن مشكلة شرعية في ما نقوم به.
علينا أن نعمل على الوصول إلى علاقات صداقةٍ مع الشعوب
إننا نعرف أن البعض من مجموعات هذه الشعوب يشارك حكوماته في العدوان علينا، وفي التخطيط المضادّ لمصالحنا، ولكننا نخشى أن بعض الممارسات السلبية في الخطاب والممارسة، قد يساعد أجهزة الاستخبارات الدولية التابعة لهذه الدول ضد مصالحنا، سواء في الإعلام أو في الخطط العدوانية الموجهة ضدنا. وليس معنى ذلك أن نقف مكتوفي الأيدي أمام الحرب المعلنة على الإسلاميين في العالم من خلال الاستكبار العالمي والصهيونية العالمية وحلفائهما، فقد تفرض علينا الضرورة الأمنية القيام ببعض الأعمال السلبية من أجل حماية مواقعنا وأهلنا ومجاهدينا، ليكون ذلك رادعاً للعدوان في حركة التوازن الواقعي، ولكن لا بد من أن تكون المسألة مدروسة بشكل دقيق جداً، يراقب الجزئيات حتى على مستوى الفواصل والأرقام، لأنّ القضية ليست عرضاً لعضلات القوة، ولكنها قضية سلامة الإسلام والمسلمين العامة، على مستوى الصورة والحركة والواقع والإنسان.
وأخيراً، إن شخصية المسلم الأخلاقية، وروحيته وانفتاحه على الله، ومحبته للناس، هي القاعدة الأساس في عمق الخطاب الإسلامي الذي هو خلاصة الشخصية الإسلامية في وجود الإنسان المسلم، لأنّ المضمون الفكري أو الروحي أو السياسي، ينبغي أن ينطلق من إنسان مثقَّف بالإسلام، وروحاني في الوجدان، وسياسي في خط التوازن، حتى يكون الخطاب الإسلامي إنساناً ينفتح، ويكون الإنسان خطاباً يتجسد.
إن شخصية المسلم الأخلاقية، وروحيته وانفتاحه على الله، ومحبته للناس، هي القاعدة الأساس في عمق الخطاب الإسلامي
وهذا هو الذي يحقِّق للحركة الاندماج بالإنسان والاتّحاد به، ويدفع بالإنسان إلى أن يكون تجسيداً حياً للإسلام، حتى يرى الناس في الإنسان الإسلام الحركي، ويبصر في الإسلام كل مفاهيم الإنسان وتطلّعاته وتصوراته وحركته في الحياة.
وفي هذا الجو المتحرّك في أكثر من موقع، والمنفتح على أكثر من بعدٍ وأوسع من أفق، ينطلق الخطاب الإسلامي لينقد ذاته وإنسانه وحركته، ويقوم في عملية تجدد دائم، في قلق المعرفة لكل أسلوب جديد، ومستقبل كبير.
أم حبيبة بنت أبي سفيان
أم المؤمنين
* قد كـان يكـون بيننـا ما يكـون بيـن الضرائر ، فتحلَّليني من ذلك .. أم حبيبة .
* هي رملـة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وُلِدَت قبل البعثة بسبعـة عشر عاماً ، أسلمت قديماً وهاجرت إلى الحبشة مع عبيد الله بن جحش ، تُكنّى أم حبيبة ، تزوّجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي في الحبشة ، وقدمت عليه سنة سبع.
* الهجرة والمحنة :
- لمّا اشتد الأذى من المشركين على الصحابة في مكة ، وأذن الرسول صلى الله عليه وسلم للمستضعفين بالهجرة بدينهم إلى الحبشة ، هاجرت أم حبيبة مع زوجها عُبيد الله بن جحش معَ من هاجر من الصحابة إلى الحبشة ، لقد تحمّلت أم حبيبة أذى قومها ، وهجر أهلها ، والغربة عن وطنها وديارها من أجل دينها وإسلامها .. وبعد أن استقرت في الحبشة جاءتها محنة أشد وأقوى ، فقد ارتـد زوجها عن الإسـلام وتنصّر ، تقول أم حبيبـة رضي الله عنها :( رأيت في المنام كأن زوجي عُبيد الله بن جحش بأسود صورة ففزعت ، فأصبحت فإذا به قد تنصّر ، فأخبرته بالمنام فلم يحفل به ، وأكبّ على الخمر حتى مات ..
* الزواج المبارك :
- فأتاني آت في نومي فقال :( يا أم المؤمنين ) .. ففزعت ، فما هو إلا أن انقضتْ عدّتي ، فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن ، فإذا هي جارية يُقال لها أبرهة ، فقالت :( إن الملك يقولُ لك : وكّلي مَنْ يُزوِّجك ) ..فأرسلت إلى خالـد بن سعيـد بن العـاص بن أمية فوكّلته ، فأعطيتُ أبرهة سِوارين من فضّة ) ..
- فلمّا كان العشيّ أمرَ النجاشي جعفـر بن أبي طالـب ومَنْ هناك من المسلميـن فحضروا ، فخطب النجاشي فحمد اللـه تعالى وأثنى عليه وتشهـد ثم قال :( أما بعد ، فإن رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم كتب إليّ أن أزوّجه أم حبيبة ، فأجبت وقد أصدقتُها عنه أربعمائة دينار ) .. ثم سكب الدنانير ، ثم خطب خالـد بن سعيـد فقال :( قد أجبتُ إلى ما دعا إليه رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم وزوّجته أم حبيبة ) .. وقبض الدنانير ، وعمل لهم النجاشي طعاماً فأكلوا ..
- تقول أم حبيبة رضي الله عنها :( فلمّا وصل إليّ المال ، أعطيتُ أبرهة منه خمسين ديناراً ، فردتّها عليّ وقالت :( إن الملك عزم عليّ بذلك ) .. وردّت عليّ ما كنتُ أعطيتُها أوّلاً .. ثم جاءتني من الغَد بعودٍ ووَرْسٍ وعنبر ، وزبادٍ كثير -أي طيب كثير- ، فقدمتُ به معي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
- ولمّا بلغ أبا سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ابنته قال :( هو الفحلُ لا يُجْدَعُ أنفُهُ ) .. أي إنه الكُفء الكريم الذي لا يُعاب ولا يُردّ ..
* عودة المهاجرة :
- لقد كانت عـودة المهاجـرة ( أم حبيبة ) عقب فتح النبـي صلى اللـه عليه وسلم خيبر ، عادت مع جعفر بن أبي طالب ومن معه من المهاجرين إلى الحبشة ، وقد سُرَّ الرسـول صلى الله عليه وسلـم أيّما سرور لمجـيء هؤلاء الصحابـة بعد غياب طويل ، ومعهم الزوجة الصابرة الطاهرة .. وقد قال الرسـول صلى اللـه عليه وسلم :( والله ما أدري بأيّهما أفرحُ ؟ بفتح خيبر ؟ أم بقدوم جعفر ). صحيح الألباني.
* الزفاف المبارك :
- وما أن وصلت أم حبيبة رضي الله عنها إلى المدينة ، حتى استقبلها الرسول صلى الله عليه وسلم بالسرور والبهجة ، وأنزلها إحدى حجراته بجوار زوجاته الأخريات ، واحتفلت نساء المدينة بدخول أم حبيبة بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن يحملن لها التحيات والتبريكات ، وقد أولم خالها عثمان بن عفان وليمة حافلة ، نحر فيها الذبائح وأطعم الناس اللحم ..
- واستقبلت أمهات المؤمنين هذه الشريكة الكريمة بالإكرام والترحاب ، ومن بينهن العروس الجديدة ( صفية ) التي لم يمض على عرسها سوى أيام معدودات ، وقد أبدت السيدة عائشة استعدادا لقبول الزوجة الجديدة التي لم تُثر فيها حفيظة الغيرة حين رأتها وقد قاربت سن الأربعين ، وعاشت أم حبيبة بجوار صواحبها الضرائر مع الرسول صلى الله عليه وسلم بكل أمان وسعادة ..
* أبو سفيان في بيت أم حبيبة :
- لقد حضر أبو سفيان ( والد أم حبيبة ) المدينة يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمد في أجل الهدنة التي تمّ المصالحة عليها في الحديبية ، فيأبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الطلب ..
- فأراد أبو سفيان أن يستعين على تحقيق مراده بابنته ( زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم ) فدخل دار أم حبيبة ، وفوجئت به يدخل بيتها ، ولم تكن قد رأته منذ هاجرت إلى الحبشة ، فلاقته بالحيرة لا تدري أتردُّه لكونه مشركاً ؟ أم تستقبله لكونه أباهـا ؟ .. وأدرك أبو سفيان ما تعانيـه ابنته ، فأعفاها من أن تأذن له بالجلـوس ، وتقدّم من تلقاء نفسه ليجلس على فراش الرسـول صلى الله عليه وسلم، فما راعه إلا وابنته تجذب الفراش لئلا يجلس عليه ، فسألها بدهشة فقال: ( يا بُنيّة ! أرغبتِ بهذا الفراش عني ؟ أم بي عنه؟ ) .. فقالت أم حبيبة :( بلْ هو فراشُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت امرءٌ نجسٌ مشركٌ ) .. فقال: ( يا بُنيّة ، لقد أصابك بعدي شرٌّ ) .. ويخرج من بيتها خائب الرجاء ..
* إسلام أبو سفيان :
- وبعد فتح مكة أسلم أبو سفيان ، وأكرمه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، من أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ) .. ووصل هذا الحدث المبارك إلى أم المؤمنين ( أم حبيبة ) ففرحت بذلك فرحاً شديداً ، وشكرت الله تعالى أن حقَّق لها أمنيتها ورجاءَها في إسلام أبيها وقومها ..
* وفاتها :
- وقبل وفاتها رضي الله عنها أرسلت في طلب السيدة عائشة وقالت: ( قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر ، فتحلَّليني من ذلك ) .. فحلّلتها واستغفرت لها ، فقالت: ( سررتني سرّك الله ) .. وأرسلت بمثل ذلك إلى باقي الضرائر .. وتوفيت أم حبيبة رضي الله عنها سنة أربع وأربعين من الهجرة ، ودفنت بالبقيع.
الإسلام والديمقراطية
رؤى معاصرة و مقاربات تحديثيه لعلاقة الإسلام بالديمقراطية لمجموعة من الباحثين الإسلاميين:
. لا يوجد ثمة تمايز أو فصل بين الديمقراطية كخيار معاصر لشكل الدولة الحديث و بين الإسلام الذي لم يتحدد أصلا نموذجا نهائيا للدولة كما ان الله لا يتعبدنا بشكل الدولة.
. إن الأمر الجوهري في المنعرج الديمقراطي، و في التطبيقات السياسية الحديثة عموما ليس إقصاء ما هو ديني بل تغيير نمط حضوره ونشاطه فبدل من إن يعتبر نسق تعليمات جامدة تتعمق بالتفصيل في ميكانزمات النظام الاجتماعي ينبغي إن يعتبر منسقاً للضوابط الأخلاقية.
. كون الإسلام مسلما لا يلغي كونه ديمقراطيا.
. الحرية الواقعية هي البنية الجوهرية في الديمقراطية الإسلامية.
على وفق الأهداف التثقيفية لسلسلة الكتب الثقافية الدورية التي يصدرها "مركز دراسات فلسفة الدين" بالتعاون مع وزارة الثقافة. و التي تعتمد على إشاعة ثقافة التعايش و الحوار بين الأديان و الثقافات صدر الكتاب الرابع في هذه السلسلة بعنوان "الإسلام المعاصر و الديمقراطية". و هو عبارة عن رؤى و مقاربات لباحثين إسلاميين في المشروع الفكري الاسلامي الديمقراطي و تحليل مرجعياته.. وتفكيك المفاهيم والمصطلحات المرتبطة بهذه المقاربة. و امتازت هذه الرؤى بالتنوع و الاختلاف و تباينت في الاستنتاجات.. عبر منهجياتها المتغايرة ومرجعياتها المعرفية.. وبذلك انتهى هذا الكتاب المكثف إلى قواسم مشتركة في إطار رؤى متنوعة لمقاربة الديمقراطية بالإسلام.
ففي الدراسة الأولى للباحث والمفكر السيد هاني الفحص و المعنونة بال"الإسلام والديمقراطية" عمد إلى تصنيف مستويات التقارب بين الإسلام كعقيدة تعتني بالعبادات و الأخلاق العامة ومعاملات المسلمين بينهم وبين الآخرين.. من جهة وبين الديمقراطية بوصفها شكلا من إشكال علاقة الدولة بالمجتمع.. و من هنا فاللقاء التاريخي بين الإسلام و الديمقراطية كمنشأ غربي و نسق حضاري مغاير هو لقاء المثل و المبادىء و تقابلات المفاهيم التي ترسم إطار الديمقراطية للدولة المدنية الحديثة في المواطنة سيادة القانون و ضمان الحريات الفردية و المشاركة السياسية…الخ.
ومن هنا بات واضحاً بان استعارة الآليات الغربية للنموذج الديمقراطي في مفردات "الاستفتاء، الانتخاب، فصل السلطات" أصبحت شائعة و متداولة في الخطاب الاسلامي المعاصر في عالمنا.. وذلك لان الإسلام لم يطرح في أصوله الأولى نمطا محددا لشكل الدولة أو نموذجا مؤيدا خارج المتغيرات الزمانية والمكانية.
و من هنا فلا يوجد ثمة تمايز أو فصل بين الديمقراطية كخيار معاصر لشكل الدولة الحديث و بين الإسلام الذي لم يحدد أصلا نموذجا نهائيا لها.. كما إن الله لا يتعبدنا بشكل من إشكال الدولة" ص8..
و من هنا فان الإسلام لم يحقق ذلك الانتشار الواسع والاختراق الحضاري للأمم والشعوب ألا عبر خاصية التعددية و الاختلاف وهي من أكثر ميزاته أصالة ووجودا وتعبيرا في القران الكريم و السنة النبوية.." مما جعله ليس مشروع دولة كونية تقوم على الإلغاء و المصادرة الشمولية بل هو مشروع ديمقراطيات تتعدد بتعدد المجتمعات و لكنها تشترك في فضاء الحرية و تلتقي به.."ص9.
ومن هنا يشيد الباحث هاني فحص بالحل المعرفي في إشكالية: "الأمة و الإمامة والتي توصل إليها الشهيد الدكتور علي شريعتي بفعل هواجسه الوحدوية" وتطلعاته النهضوية. عندما اعتبر "الأمة" مفهوما متمايزا عن "الإمامة"بوصفها نسقا ثقافيا و اعتقاديا يرعى شؤون المسلم بوصفه "خليفة لله على الارض" و بينما "الأمة" وهي الإطار الذي يرعى شان الإنسان مهما كان اصلة أو انتماؤه، ومن هنا يخلص الباحث في دراسته المختصرة إلى الديمقراطية بشروط العدالة والحرية هي الضابط الحقيقي و الضامن الكفيل في جدلية الدين و الدولة ضمن المفهوم العصري لكليهما…
" أي إن الديمقراطية تحمي الناس و المواطنين المؤمنين من عملية إعادة إنتاج الدين على حسابها لا لحسابهم بشرط الحرية أو شرط الحريات التي ينحصر نطاقها الضامن لاستمرا رها بالديمقراطية" ص19.
و يؤشر الباحث السعودي الدكتور تركي الحمد الأزمة المعرفية المتعلقة باختلاط المفاهيم و فوضى المعاني و التي يعاني منها الفكر و الثقافة العربية فيما عرف بأزمة المصطلح و التي غالبا ما تؤصلها في الذائقة العامة و الفكر الشائع اطر الأيدلوجية المسيّسة و حملات الأعلام المقنن.وتفضح هذا المعاني.. و تعود إلى مكوناتها الحقيقية عند فحصها بالمناظير الاسبتمولوجية و السوسيولوجية فكلاهما يبحث في جوهر الأفكار التي تشكل البنية الحقيقية للمفاهيم و المصطلحات دون تدخلات ايدولوجية تسعى لقولبة المفاهيم ضمن منظوماتها و غاياتها.
و يخلص الباحث إلى اعتبار قوة الليبرالية المعاصرة بكونها نافية لبقية الايدولوجيات الشمولية.
وفي حوار مع المفكر الإيراني الشيخ محمد مجتهد شبستري.. يسلط الضوء في أحدى إجاباته عن السؤال حول المرجعية الدينية لمفهوم سيادة الشعب في الفكر الإسلامي المعاصر- و يمايز في أجابته بين دائرة السياسة ودائرة الدين وتقاطعهما... فسيادة الشعب... لا تتعارض مع الأصوليات العقائدية في الدائرة الدينية و ثوابت العقيدة بل هي قراءة معاصرة في منظومة هذه الأصول عبر المنجز الديمقراطي و آلياته المعاصرة ولا يمكن ان تحقق هذه المقاربة درجة النجاح إلا عبر عملية أصلاح كبرى وشاملة وجسورة تتضمن إصلاح على مستوى العقائد والإحكام والقوانين والمجمع والقيم... وهي بمجملها تتسم بالمسحة الدينية.
وفي أربع مسائل مهمة ترتبط بالقراءة المعاصرة للديمقراطية مع الإسلام.. يقدم الدكتور رضوان السيد مقاربات تحليلية ما بين الإسلام المعاصر و الليبرالية وهي:
1-الموقف من المواطنة.
2-الموقف من التنظيم السياسي للمجتمع والسلطة السياسية.
3-الموقف من التعددية الثقافية والسياسية.
4-الموقف من العالم اورؤية العالم ورؤى العلاقات به.
و ضمن هذه المسائل يخوض الباحث في شكل العلاقة التاريخية بين الغرب و بين الإسلام بكل اتجاهاته المعتدلة والمتشددة..
ويخلص الباحث إلى ضرورة مراجعة علاقتنا بالعالم و تصحيح الرؤية لهذا العالم على وفق الرؤية الليبرالية المنفتحة التي تسمح بالحوار البناء و الالتقاء عبر مشتركات كونية في عناصر الثقافة والعلوم.
و بمحاولة جريئة يقتحم الدكتور عبدة الفيلالي تحليل العلاقة المفتعلة والمغلوطة التي تربط الدائرة الثلاثية " الإسلام، العلمانية، الديمقراطية"... و التي مفادها إن الإسلام معاد للعلمانية ولكن العلمانية ضرورة للديمقراطية أذن فالإسلام غير ديمقراطي.
وهي مجمل ما ترسخ في الذاكرة الجمعية بشعوبنا الإسلامية عبر عملية وعي زائف لمسار هذه العلاقة وتصورها، مارسته أيدلوجية السلطة ودوائر إعلامها الدعائي..
حتى أصبحت هذه المغالطة شكلا من إشكال العقبات إزاء انفتاح الإسلام على الديمقراطية. ويبدأ الباحث بتحليل ثلاثة مستويات أو ثلاث دوائر من"الإسلام" و هي:-
1-مستوى القيم المذكورة في القران الكريم.
2-مستوى الممارسة التاريخية و ما يتعلق بها من تفاسير النصوص والتيولوجيا "علم الكلام وأصول الفقه".
3-الأيمان الفردي كتجربة خاصة بكل إرادة إنسانية مستقلة"وهذا المستوى هو من أكثر المستويات عرضه للتغيرات حسب الزمان والمكان ".
إن الخلط بين هذه المستويات هو الذي يفضي إلى الخلط في المفاهيم الأخرى و علاقة التجانس المعرفية التي تربط بعضها بالبعض الأخر..
كما إن هناك مستويات من الخلط لا تقل خطورة عن هذه المستويات وهي أكثر ذيوعا و أعمق ضررا كالتي تخلط بين المبادىء الأخلاقية وماهية النظم السياسية والتي تخلط بين الطائفية والدولة وبين الواجبات الدينية وطاعة القانون وكان من نتيجة هذه الاختلاطات هو إحداث اقتطاعات وتعميمات اختزلت الإسلام ومنظومته الوهمية المرنة ونسقه الثقافي المتنوع إلى قراءات قسرية لجماعات الأصولية وأمرائها.
"أن الأمر الجوهري في المنفرج الديمقراطي، وفي التطبيقات السياسية الحديثة عموما ليس إقصاء ماهو ديني بل تغيير نمط حضوره و نشاطه فبدلا من ان يعتبر نسق تعليمات جامدة تتعمق بالتفصيل في ميكانزمات النظام الاجتماعي ينبغي إن يعتبر منبعا للضوابط الأخلاقية"ص135.
ومن هنا يشكل إعادة النظر في النسق المفاهيمي للعلمانية، الإسلام، الديمقراطية احد أهم الإنجازات المطلوبة من الفكر الإسلامي المعاصر لإنجاز دولة ومجتمع القانون و الحريات العامة والشفافية و تحسين أداء المجتمع المدني.
و يبحث المفكر الإيراني مصطفى مليكان في مقاله " تجاذبات العلاقة بين الإسلام والليبرالية" في المفاهيم المتنوعة لليبرالية وأشكالها الأخلاقية والدينية والسياسية.
فالليبرالية السياسية تؤكد على أصالة الفرد وتنميط علاقته بالدولة عبر ممارسة حرية التعبير عن الرأي وحرية السلوك والمعتقد والتحرر من القيود والإكراه الديني و الذهبي و الأيدلوجي.. و يخلص الباحث إلى مكونات الليبرالية الثلاثة الخالدة:
1-تقبل الآخر.
2- التغيير السلمي والتدريجي للأوضاع التاريخية.
3-احترام حريات الفرد بلا تمييز.
ومن هنا فالإسلام الأصولي بنموذجه الوهابي هو الأكثر تضادا مع هذه المكونات الثلاثة لليبرالية السياسية على العكس من الإسلام الحد اثوي المتمثل في نماذجه الريادية الإصلاحية والتي تؤكد على روح الإسلام والتوافق السلوكي معها لا على الشكل المظهري للدين كما تؤكد على احترام العقل و منجزاته و الحفاظ بعلاقة الإنتاج مع الغرب و خاصة بمحالاته الثقافية والحضارية.
ومن هنا فالليبرالية بمفاهيمها و أشكالها الثلاثة لا تتعارض مع الإسلام بل تتعارض مع قراءة واحدة منه وهي القراءة الأصولية السلفية وهي من أكثر القراءات عرضه للنقد والمساء لة و التكيف التاريخي.
و في مقال للكاتب العراقي إبراهيم العبادي "التعددية السياسية ارث الماضي ورهان المستقبل" والتي يبحث فيها مفهوم التعددية و خاصة فيما يتعلق بالتعددية السياسية التي تشمل حقوق الأفراد وتأسيس الأحزاب والمشاركة في صنع القرار وغيرها. يؤكد فيها كاتب المقال على أن الليبرالية السياسية هي المقابلة لفظائع الأنظمة الشمولية الفردية الاستبدادية بهذا المفهوم لا تتعارض مع القراءة الحداثيويه للإسلام.. والتي تشير إلى التنوع و التمايز الطبيعي وتقر بالاختلاف.
ويقتضي ذلك التخلص من الإرث الثقافي الطويل و الايدولجى الذي توارثته النخب السياسية و الثقافية في المجال الإسلامي والذي يحول دون الاعتراف بالأخر ضمن فضاء التعددية ومن هنا كان المجال الجغرافي للبلدان الإسلامية هو الأضعف في حلقة التقدم الحضاري وتوظيف المنجز الحضاري في بناء الدول والمجتمع.
ويأتي في مقدمة هذا الموروث هو"مفهوم الفرقة الناجية" والذي كثف حضوره عبر أدبيات منسوبه للحديث النبوي وترسيخ الخطاب الأيدلوجي السلطوي. للحكومة العربية في مختلف مراحلها و حقبها التاريخية.. حتى بات هذا الحديث إحدى العقبات الاستيمولجية في تجسيد التعددية الليبرالية على مستوى الواقع العقلي و التجربة السياسية.
وكذلك مفهوم"وحدة الأمة" القائم على إلغاء الخصوصيات الاثنية و الهويات الثقافية وعدم الاعتراف بها بحجة الدفاع عن وحدة الأمة المزعومة التي انتهت إلى اختزال الأمة بشخص القائد الأوحد و الرمز البطل.. وهو بطبيعته دكتاتورا فاشي. وفي طرح خاص لأحد مفاهيم الحرية المتعددة يحلل الكاتب والمفكر غالب الشابندر مفهوم "الحرية الواقعية" والذي يتعلق بالجانب العملي من الحريات والذي يعتبره الشابندر "القيمة الجوهرية في بنية الديمقراطية الإسلامية".
ويصدق هذا المفهوم الواقعي للحريات بدرجة كبيرة على المجتمعات التي خرجت من نير العبودية وأشكال التسلط الدكتاتوري كدكتاتورية صدام حسين المريضة..
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ معنى الحرية المغيب ضمن قضاء الفاشية وزمنها الأجوف وذلك بإعداد برنامج تثقيفي تدريجي كفيل بتحويل الحرية من مفهوم مجرد إلى ممارسة مسؤولة لأمة بكاملها..
ومن هنا فان الكاتب يرى بأن هذه المسؤولية التاريخية التي تمر بها بلادنا بعد خروجها من قمقم الاستبداد ودوريات الحكم التسلطي.. هي تقع على التيار الإسلامي الديمقراطي المتنور الذي يعي هذه المقاربة التاريخية ما بين الإسلام والديمقراطية ضمن معطيات ومنهاج الحداثة والتنوير.
وفي ختام المقال يدعو الكاتب الأيدلوجيين لتفهم قاعدة أسبقية الحرية على الوجود بما فيهم الأيدلوجيين الدينيين كما يدعوهم بالرجوع إلى النص القرآني الذي يؤكد على أصالة الاختيار بغض النظر عن شكل هذا الاختيار وماهيته...
وارتباط مفهوم الحرية بانتصار الحقائق الاجتماعية و التاريخية و العلمية التي تغيبها عن عمد وسابق الترصد أعمال المستبدين و الدكتاتوريين على مدار التاريخ..